الجار كلمني
بصّت لي بنظرة مليانة غِل، عينيها كانت بتقول كلام أكتر من لسانها
إنتي عمرك ما هتبقي لوحدك وهترجعي تندمي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية مش ضعف، لكن يقين
يمكن بس مش على حقي.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وأنا ثابتة في مكاني
اللي ييجي على حق غيره هو اللي بيندم، مش العكس.
بدأوا يلمّوا العفش بسرعة، بنفس الطريقة اللي دخلوا بيها أول مرة بثقة زيادة وصوت عالي. لكن المرة دي كان في حاجة مختلفة كانوا مكسورين.
الصوت اللي مالي المكان قبل كده اختفى، واتبدل بنظرات متوترة، وحركات سريعة كأنهم عايزين يخلصوا ويخرجوا قبل ما حد يشوفهم بالحالة دي.
كل قطعة بتتشال كانت بترجعلي حتة من نفسي.
كل شنطة بتتقفل كانت بتقفل صفحة.
أمي وهي خارجة، وقفت عند الباب وبصّتلي بنظرة مش مفهومة نصها عتاب ونصها صدمة
كده خلاص؟ ده جزاءنا؟
خدت نفس عميق، وردّيت بهدوء، من غير صوت عالي ولا انفعال
الجزاء إنكم دخلتوا بيتي من غير إذني وأنا بس رجّعت كل واحد لحجمه.
وبعد لحظة صمت، كملت
البيت ده كان عمري مش مجرد مكان.
اتلفّتت
الباب اتقفل.
الصوت كان خفيف بس معناه كبير.
ساعتها حسّيت إن في حاجة اتقفلت جوايا أنا كمان حاجة كانت بتوجعني من زمان.
الشقة رجعت فاضية
بس المرة دي مش نفس الفراغ اللي كنت بحسه زمان.
الهدوء كان مختلف مش وحدة، لكن راحة.
مش صمت لكن أمان.
بصّيت حواليا الحيطان اللي كنت شايفاها غريبة، رجعت تبقى قريبة.
الركنة الطاولة حتى الضوء اللي داخل من الشباك كله بقى له معنى.
كأن المكان أخيرًا اعترف بيا.
أستاذ كريم قرّب مني، بصوت هادي ومحترم
تحبي نكمّل الإجراءات الرسمية؟ نثبت كل حاجة قانونيًا عشان محدش يقربلك تاني؟
هزّيت راسي وأنا لسه باخد نفس طويل
لا كفاية كده النهارده.
ابتسم وقال
تمام بس لو احتاجتي أي حاجة، أنا موجود.
شكرته بنظرة، ومشي.
قعدت على الكنبة
نفس الكنبة اللي كنت بقعد عليها وأنا حاسة إني ضيفة في بيتي.
نفس المكان
بس إحساسي اتغيّر تمامًا.
مدّيت رجليّ قدّامي، وسندت ضهري، وغمت عينيّ لحظة كأني باخد نفس كنت محبوس جوايا من سنين.
أول
أول مرة أحس إن السكون مش مخيف بالعكس، حنين.
أول مرة أحس إن القرار بإيدي أنا مش بإيد حد تاني بيقرّر عني وأمشي وراه.
فتحت عينيّ وبصّيت حواليا ببطء
كل تفصيلة في البيت كانت زي ما هي بس أنا اللي اتغيّرت.
الحيطة اللي كنت ببص لها وأنا مخنوقة بقت دلوقتي هادية.
الستارة اللي كانت بتحجب النور بقت بتدخّل ضي خفيف مريح.
حتى الهوا حسّيته مختلف.
كأن المكان نفسه كان مستني اللحظة دي.
طلعت الموبايل
فتحت المحادثة مع تقى.
وقفت شوية أبص على الشاشة على اسمها على الكلام القديم
رسائل كتير فيها شدّ وجذب فيها ضغط فيها محاولات تسيطر وتفرض نفسها
وفكّرت.
كل اللي حصل
كل مرة سكتّ فيها وأنا موجوعة
كل مرة عديت عشان ما أكبرش المشكلة
كل مرة تنازلت وأنا عارفة إني بتنازل عن نفسي
كل ده مر قدام عينيّ في لحظة.
لكن الغريب
إني ما حسّتش بغضب.
ولا حتى بندم.
حسّيت براحة.
راحة إنّي أخيرًا فهمت.
وفهمت إن اللي بيتاخد بالعافية عمره ما بيدوم.
كتبت جملة
اللي بييجي بالعافية بيمشي بالقانون.
بعت الرسالة.
من غير تردد.
من غير ما أراجعها.
من غير ما أستنى رد.
قفلت الموبايل وحطيته جنبي.
كأن الرسالة دي ما كانتش ليها بس
كانت ليا أنا كمان.
تأكيد.
نهاية.
وبداية جديدة.
بصّيت حواليا تاني
البيت كان ساكت
بس المرة دي، السكون كان مريح.
مش سكون الوحدة
سكون السلام.
سكون حد أخيرًا وقف على أرضه.
كان فيه إحساس جديد جوايا
إحساس إن اللي فات خلاص انتهى.
وإن كل حاجة كنت شايلة همّها بقت ورا ضهري.
وإن اللي جاي
هيكون بإختياري أنا.
مش هسمح لحد يدخل حياتي بالعافية.
ولا يفرض نفسه.
ولا ياخد مكاني.
ابتسمت لوحدي
بس المرة دي الابتسامة كانت حقيقية.
خفيفة بس صادقة.
وهمست بصوت واطي
أنا خلاص رجعت لنفسي
وسكتّ شوية وبعدين كملت
والمرة دي مش هسيبها تاني.
قومت من مكاني بهدوء
لفّيت في الشقة خطوة خطوة
كأني أول مرة أشوفها.
لمست الحيطان
فتحت الشباك
دخل الهوا أكتر
وأخدت نفس عميق.
نفس نظيف.
من غير ضغط.
من غير خوف.
من غير حد واقف ورايا.
رجعت قعدت
وغمت عينيّ
المرة دي مش هروب
لكن راحة.
وأنا جوايا يقين واحد
إن النهاية دي
ما كانتش خسارة.
كانت استرداد.
النهاية