قبل إعدامها بدقائق… كشف طفل سر السكين المدفون تحت السري
الجزء الثاني 2
داخل الدرج السري في خزانة أبي، كانت هناك صورة.
كانت صورة قديمة، أطرافها مثنية، وقد تركت الرطوبة بقعًا عليها، وعلى ظهرها تاريخ مكتوب بحبر أزرق.
لم أرَها في تلك اللحظة. لم يرها أحد هناك، في غرفة الزيارة داخل السجن، لأن الدرج كان في بيتنا القديم، على بُعد أربعين دقيقة في غرفة النوم التي أبقاها عمي سامي مغلقة طوال ست سنوات.
لكن حين قال كريم تلك الكلمات، انكسر شيء غير مرئي.
لم يكن ذلك مجرد شك.
كان بابًا يُفتح.
توقفت أمي عن الارتجاف.
كانت ترتدي الزي الأبيض الخاص بالمحكوم عليهم بالإعدام، ويداها مكبلتان أمامها، وشعرها مربوط إلى الخلف كما كانت تفعل معي عندما كنت في المدرسة.
بدت أصغر مما أتذكر.
أنحف.
أكبر سنًا.
كأن ست سنوات في السجن أكلت من عظامها وروحها.
لكن حين أشار كريم إلى عمي، عادت عيناها كما كانتا من قبل.
عينا أمي.
قالت بصوت مكسور
كريم انظر إليّ.
نظر إليها أخي الصغير وهو يبكي.
قال
رأيته يا أمي لكنه قال لي إن تكلمت، فسوف يضع أختي في الحفرة. قال إن أحدًا لن يصدقني لأنني كنت صغيرًا.
شعرت كأن الدم انسحب من جسدي.
أنا.
لست وحدي من كنت أحمل ذنب الشك في براءة أمي طوال ست سنوات.
كريم أيضًا كان يحمل رعبًا لم نعرفه.
كان يعيش وتهديد عمي معلّق فوق قلبه منذ كان في الثانية من عمره.
طفل صغير يخفي جريمة داخل صدره.
رفع مدير السجن صوته وقال
لا أحد يغادر هذه الغرفة.
حاول عمي سامي أن يضحك.
كانت ضحكة جافة ومخيفة.
قال
أرجوك يا حضرة المدير الطفل كان عمره عامين فقط حين حدث ذلك. إنه يكرر كلامًا وضعه أحد في رأسه.
سألته أنا
ومن الذي كان سيضعه في رأسه؟
نظر إليّ سامي بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليّ منذ دخلت أمي السجن.
نظرة شفقة مزيفة.
قال
لا تصعّبي الأمر أكثر. أمك تقبلت مصيرها.
نظرت إليه أمي باحتقار واضح، وقالت
أنا لم أتقبل شيئًا.
رفع سامي يديه وقال
بالله عليكِ أنا اعتنيت بأطفالك. دفعت للمحامين. دفنت أخي بيدي. والآن ستتهمينني أيضًا؟
صرخ كريم
أنت قتلت أبي!
تحرك الحارس نحو أخي الصغير، لكن أمي وقفت أمامه قدر ما سمحت لها القيود.
قالت بحدة
لا تلمسه.
كانت غرفة الوداع صغيرة، جدرانها بلون باهت، وفي وسطها طاولة معدنية مثبتة في الأرض.
كان على الطاولة مصحف صغير، وعلبة مناديل، وإبريق ماء لم يلمسه أحد.
وخلف الزجاج، كانت الساعة تواصل العدّ نحو موعد التنفيذ.
كل دقيقة كانت كأنها وحش جائع.
قال المحامي العام الذي رافقنا، وكان رجلًا متعبًا اسمه الأستاذ محمود
هذا يستدعي وقف تنفيذ الحكم.
رد مدير السجن
الأمر صادر من الحاكم لكن طالما هناك شهادة جديدة من قاصر، واحتمال وجود دليل مخفي، فلن أسمح بدخول هذه المرأة إلى غرفة التنفيذ.
تغيّر لون وجه عمي سامي.
قال
لا يمكنك أن تفعل ذلك.
نظر إليه مدير السجن
أستطيع التأجيل إجرائيًا حتى أبلغ الجهات القضائية. وأنت ستبقى هنا.
خطا سامي خطوة نحو الباب.
لكن الحارسين وقفا أمامه.
قال
من حقي أن أطلب محاميًا.
قلت دون تفكير
وأمي كان من حقها أن تحصل على محاكمة عادلة.
نظر الجميع إليّ.
حتى أمي.
احترقت عيناي بالدموع.
لم أقل هذه الجملة طوال ست سنوات.
طوال ست سنوات كنت أقول
لا أعرف.
لا أتذكر.
كل شيء كان مشوشًا.
ربما فقدت أمي السيطرة.
ما أسهل أن يتخفى الخوف في صورة حكمة.
وما أسهل أن تصدق فتاة في السابعة عشرة ما يكرره الجميع، حين يكون قلبها مكسورًا والشرطة تخبرها أن الدم لا يكذب.
لكن الدم كان قد كذب.
أو أن أحدهم وضعه في المكان الخطأ.
نظرت إليّ أمي بمزيج من الحب والألم.
قالت
حبيبتي
لم أستطع النظر في عينيها.
لأن قبل أن أعانقها، وقبل أن أطلب منها السماح، وقبل أي شيء
كان علينا أن ننقذها.
أمر مدير السجن بإحضار جهاز تسجيل، وأخصائية اجتماعية، ووكيل نيابة مناوب.
بدأت الكلمات تنتشر في الغرفة كالحشرات
وقف التنفيذ.
دليل جديد.
شاهد قاصر.
إكراه محتمل.
سلسلة حفظ الأدلة.
إعدام.
جلست أمي ببطء.
وكريم لم يترك يدها.
كنت أراقب أصابعه الصغيرة وهي تتشبث بالزي الأبيض، وتذكرت كل المرات التي حممته فيها، وأعددت له طعامه، وأوصلته إلى المدرسة، وقلت له إن أمي بعيدة لأنني لم أكن أعرف كيف أشرح لطفل أن الدولة تريد أن تقتلها.
كان يعرف أكثر مني طوال هذا الوقت.
انحنى مدير السجن قليلًا نحو كريم وقال
كريم أحتاج أن تخبرني بالضبط ماذا تتذكر.
نظر كريم إلى أمي وسأل
يعني لن يقتلوكِ الآن؟
لم يجب أحد.
وكان ذلك أقسى شيء.
ألا تستطيع أن تعد طفلًا بشيء.
قبّلت أمي جبينه وقالت
قل الحقيقة يا حبيبي. مهما حدث، قل الحقيقة.
تنفس كريم كأن التنفس يؤلمه، ثم قال
تلك الليلة استيقظت لأنني سمعت أبي يصرخ. نزلت إلى الأسفل. كان ضوء المطبخ مضاءً. أبي كان على الأرض. عمي سامي كان واقفًا بجانبه. كان على قميصه دم. أمي لم تكن هناك. ثم رآني وقال لي ارجع إلى غرفتك. بكيت. ثم أمسك السكين بقطعة قماش وصعد إلى الأعلى. تبعته لأنني كنت أحب أبي. رأيته يدخل غرفة أمي. ركع ووضع السكين تحت السرير.
سأله المحامي محمود، وصوته يرتجف
وأين كانت أمك؟
قال كريم
كانت نائمة أو بدت كأنها نائمة. عمي وضع شيئًا على ردائها. ثم رآني، ووضع يده على فمي. قال لي إن تكلمت، ستختفي أختي كما اختفى الكلب برونو.
وضعت يدي على فمي.
برونو.
كلبنا.
قبل الجريمة بأسبوع، اختفى برونو.
قال أبي وقتها ربما خرج حين تُرك الباب مفتوحًا.
بكيت عليه ثلاثة أيام.
وجاء عمي سامي بلعبة قطنية ليواسيني.
والآن فهمت.
كانت تجربة.
كان تهديدًا.
كان طريقة ليعلّم طفلًا أن من يعصي يختفي.
بدأ سامي يتصبب عرقًا.
قال
هذا جنون. هل ستصدقون طفلًا مصدومًا؟
أخرج كريم الكيس البلاستيكي
قال
أبي أخبرني عن الدرج. في الليلة التي سبقت موته. خبأني في الخزانة لأنه كان يتشاجر مع عمي. لم أفهم. قال لي إذا أصبحت أمك يومًا في خطر حقيقي، قل لأختك أن تبحث عن الدرج السري. لكنني لم أكن أعرف كيف أفتحه. إلى أن حلمت أمس بالمفتاح. كان داخل دبّي الأزرق.
التفتّ إليه وقلت
دبك الأزرق؟
أومأ كريم برأسه.
قال
الذي أعطاني إياه أبي. كان فيه سحّاب مقطوع من الخلف. كان المفتاح بداخله.
شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
الدب الأزرق.
كدت أرميه ثلاث مرات.
احتفظت به في صندوق لأنه كان من الأشياء القليلة التي لم يكن كريم يتركها حين كان صغيرًا.
طوال ست سنوات، كانت تلك اللعبة في خزانة غرفتنا، وفي داخلها مفتاح مخبأ.
أبي ترك لنا طريقًا للخروج.
ونحن عشنا ست سنوات دون أن نراه.
وصل وكيل النيابة المناوب بعد عشرين دقيقة.
كانت الساعة السادسة مساءً.
وكان التنفيذ مقررًا في السابعة.
أحيانًا دقيقة واحدة تكون عمرًا كاملًا.
أخذوا إفادة كريم.
أما عمي سامي، فطلب محاميًا ورفض الكلام.
أجرى مدير السجن اتصالات كثيرة.
في البداية بهدوء.
ثم بصوت أعلى.
ثم بغضب واضح.
قال عبر الهاتف
لن أنفذ حكم إعدام بينما هناك دليل مادي لم يتم العثور عليه بعد. نعم، أفهم الوقت. نعم، أفهم الأمر. وأفهم أيضًا أن قاصرًا أشار للتو إلى المستفيد المالي الأول من وفاة الضحية.
المستفيد المالي.
ضربتني العبارة في صدري.
عمي لم يحتفظ بالبيت فقط.
احتفظ أيضًا بورشة أبي، وبالشاحنة، وبالحسابات بكل شيء كان يقول إنه يديره من أجلنا لأنني كنت قاصرًا وكريم كان طفلًا.
كان يقول دائمًا
أمكم دمرت حياتنا. أنا أفعل أكثر مما يجب فقط لأعيلكم.
لكنه هو من دمّرنا.
في السادسة وسبع وثلاثين دقيقة، جاءت المكالمة.
أغمض مدير السجن عينيه وهو يستمع.
ثم قال
نعم يا سيادة القاضي. تم وقف التنفيذ.
خرج من أمي صوت موجوع.
لم يكن بكاءً.
كان كأن روحها عادت فجأة إلى جسدها.
احتضنها كريم أكثر.
وقفت أنا مشلولة.
تم وقف التنفيذ.
ليست حرة.
ليست بريئة رسميًا.
لكنها حية.
أمي لن تموت هذه الليلة.
عبرت الغرفة وسقطت على ركبتي أمامها.
قلت
أمي
لم أعرف ماذا أقول.
كانت بيننا ست سنوات.
ست سنوات من رسائل لم أجب عليها.
ست سنوات من زيارات قصيرة.
ست سنوات من رؤيتها خلف زجاج وقيود وخجل.
قلت
سامحيني.
أغمضت أمي عينيها وقالت
يا حبيبتي
قلت
سامحيني لأنني شككت بك.
لمست وجهي بيديها المكبلتين وقالت
كنتِ طفلة.
قلت
لم أكن صغيرة إلى هذه الدرجة.
قالت
لقد كسروا حياتكِ أيضًا.
بكيت كما لم أبكِ حتى يوم جنازة أبي.
لأنني في الجنازة كنت مشغولة بمحاولة فهم ما إذا كانت أمي قاتلة، وما إذا كانت عائلتي كذبة، وما إذا كان كريم سيتذكرها، أو إذا كان عليّ أن أكرهها كي أستطيع العيش.
في
لقد سُرقنا جميعًا.
أبي بسكين.
أمي بحكم.
ونحن بكذبة.
توجهت سيارتا شرطة إلى البيت ومعهما مفتاح كريم، ووكيل النيابة، والمحامي، وأمر تفتيش عاجل.
أردت الذهاب معهم، لكنهم لم يسمحوا لي.
خلال تلك الساعات، أخبرتنا أمي بما لم نتمكن من سماعه من قبل.
قالت
تلك الليلة، تشاجر أبوكم مع سامي. كنت قد شربت شايًا أعدّه لي سامي لأن رأسي كان يؤلمني. جعلني أنام بعمق شديد. استيقظت على صراخ، وشرطة، ودم على ردائي، وأبوكم ميت. وعندما سألت عنكما، قال لي سامي إنكما عند الجيران. ثم همس في أذني داخل سيارة الشرطة إذا فتحتِ فمك عن الحسابات، فلن يبقى لأطفالك أحد.
سألتها
أي حسابات؟
نظرت إليّ بحزن وقالت
أبوك اكتشف أن سامي كان يستخدم الورشة لتحريك أموال لأشخاص خطرين. قطع غيار وهمية، فواتير مزورة، قروض لا أعرف كل شيء. أعرف فقط أن أباك وجد مستندات. وفي ذلك اليوم قال إنه سيبلغ عنه.
الصورة.
الرجل في الصورة.
سألتها
هل ذهب أبي ليبلّغ عن شخص في تلك الليلة؟
أومأت أمي برأسها.
قالت
قال إنه سيقابل قائدًا في الشؤون الداخلية. عاد متوترًا جدًا. خبأ شيئًا في الخزانة. قال لي إذا حدث لي أي شيء، لا تثقي بأخي. قلت له ألا يتكلم بهذا الشكل. تشاجرنا. غضبت. ذهبت لأنام. وحين استيقظت كان قد قُتل.
تذكرت حينها مشهدًا دفنته في داخلي.
أبي يدخل غرفتي في ليلة الجريمة.
كنت نصف نائمة.
قبّل جبيني وقال
اعتني بأمك.
ظننتها جملة عادية.
لم تكن كذلك.
كانت وداعًا.
في التاسعة وعشرين دقيقة مساءً، عاد وكيل النيابة.
كان وجهه صارمًا.
وفي يده صندوق أدلة.
وقف سامي وقال
هذا غير قانوني. البيت باسمي.
نظر إليه وكيل النيابة وقال
وسنحقق في ذلك أيضًا.
خفق قلبي بعنف.
سألته
هل وجدتموه؟
وضع الصندوق على الطاولة وقال
وجدنا الدرج السري. خلف القاع المزيف، كانت هناك مستندات، ووحدة تخزين، ودفتر ملاحظات، وصور.
توقفت أمي عن التنفس.
قالت
والصورة؟
فتح وكيل النيابة كيسًا شفافًا.
كانت الصورة بداخله.
رجل بشارب، يرتدي قميصًا أبيض وقبعة، يقف بجانب سيارة سوداء.
وبجانبه عمي سامي.
وخلفهما، يظهر أبي نصف مخفي، وكأنه التقط الصورة دون أن يلاحظا.
وعلى ظهرها، بخط أبي، كانت مكتوبة العبارة
القائد سليم وسامي. دليل التسليمات. إذا وُجدت مقتولًا، فليست زوجتي هي الفاعلة.
شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
وضعت أمي يديها على فمها وقالت
يا الله
تابع وكيل النيابة
وحدة التخزين تحتوي على مقاطع فيديو من كاميرا الورشة. تُظهر سامي وهو يتلقى أموالًا من هذا الرجل، القائد السابق سليم، وهو حاليًا قيد التحقيق في قضايا اختفاء وابتزاز. وهناك أيضًا تسجيلات صوتية. أحدها يبدو أنه يسجل تهديدًا ضد والدك.
أبي.
سماع اسمه من فم وكيل النيابة بعد سنوات من
سألته
ماذا يقول التسجيل؟
تردد وكيل النيابة وقال
لا يُنصح أن يسمعه القاصر.
تشبث كريم بأمي وقال
أريد أن أعرف.
هزت أمي رأسها.
لا يا حبيبي. لقد كنت شجاعًا بما يكفي.
أخذوا كريم إلى غرفة أخرى مع أخصائية نفسية في السجن.
وعدته أمي