اتصل بي صهري وهو يبكي

لمحة نيوز


من؟
لم تُكمل. عاد ومعه أوراق الخروج واضطررتُ أن أتركها.
أسندتُ جبيني إلى الحائط البارد.
فجأة كل شيء أصبح واضحًا.
الخوف.
الاستعجال.
منعي من رؤيتها.
الغرفة الخاطئة.
الخروج السري.
الأسماء غير المتطابقة.
وذلك الحزن الغريب في عيني هناء قبل أيام
حين سألتني إن كنتُ قد سمحتُ لها يومًا أن تكون نفسها.
كانت ابنتي تحاول أن تخبرني بشيءٍ منذ وقتٍ طويل.
وأنا لم أكن أريد أن أسمعه.
لأنه كان مريحًا لي أن أصدّق أن زواجها بخير.
أن أمين، رغم بروده أحيانًا، زوجٌ صالح.
أن الحياة التي دفعتها إليها لم تكن تخفي شيئًا آخر.
شعرتُ بخزيٍ قاسٍ.
ليس لأنني تسببتُ في هذا
بل لأن الأمهات يفشلن أيضًا عندما نفضّل النسخة المريحة من الواقع على الحقيقة.
أمسكتُ بيد نادية.
شكرًا لكِ.
هزّت رأسها فورًا.
لا تشكريني بعد. افعلي شيئًا بسرعة.
أومأتُ.
هل هناك كاميرات عند المخرج الخلفي؟
نعم، لكن لا أعرف كم تبقى التسجيلات أو من يمكنه حذفها. إن كنتِ ستفعلين شيئًا فافعليه الآن.
كان هذا كل ما أحتاجه.
غادرتُ المستشفى دون أن أنظر خلفي. في السيارة، كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني احتجتُ ثلاث محاولات لتشغيل المحرك. لم أتصل بأمين. لم أتصل بأختي. لم أتصل بأي صديق.
اتصلتُ بالسيد حازم.
محاميّ.
والرجل الوحيد الذي وثقتُ به بما يكفي لأقول له، عند الساعة الثانية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل
أحتاج أن أجد ابنتي قبل أن يجعلها زوجها تختفي.
لم يطرح أسئلة عديمة الفائدة.
كان حازم قد تولّى شؤوني القانونية منذ سنوات، واطّلع على أوراق منزل هناء، وقابل أمين ولم يعجبه قط. كان يقول ذلك دائمًا بأسلوبه الهادئ الحاد
زوج ابنتك يهتم بالأوراق أكثر مما ينبغي.
أين أنتِ؟ سأل.
أخبرته.
اذهبي إلى المنزل، وأغلقي كل شيء بإحكام. سأتصل بكِ خلال عشرين دقيقة.
لم أُطِع تمامًا.
ذهبتُ إلى المنزل، نعم لكن بدلًا من أن أنتظر،

فتحتُ الدرج الذي أحتفظ فيه بنسخٍ من كل ما هو مهم سندات، وثائق، أوراق تأمين وأشياء قديمة تخص هناء، كانت قد طلبت مني الاحتفاظ بها إن احتاجتها يومًا.
كان بينها نسخة من هويتها، وعقد زواجها وفي الأسفل، مطويًّا، عقد إيجار لشقة صغيرة باسم شركة.
توقّفت.
تعرّفتُ على العنوان فورًا.
لأنني قبل أشهر عرضته على أمين، عندما كانا يتجادلان حول استئجار مكانٍ للعمل.
يومها قال إنه مجرد مخزن تابع لأحد العملاء.
لكن في تلك الليلة
والبيت لا يزال تفوح منه رائحة الأرز بالحليب المحترق والخوف
بدت الورقة مختلفة.
كأنها لم تكن تخص عملًا أبدًا.
اتصل حازم بعد ثلاث عشرة دقيقة.
وجدتُ شيئًا غريبًا، قال لي. قبل أسبوعين، سحب زوج ابنتك مبلغًا كبيرًا من حسابٍ مشترك مع هناء. كما حاول نقل ملكية وثيقة تأمين على الحياة لمستفيدٍ مذكور بصفة مولود حي. وقبل ثلاثة أيام، طلب نسخًا مصدّقة من عقد الزواج وسجلات متابعة الحمل.
ضاق العالم من حولي.
لأي غرض؟
لا أعلم بعد. لكن ما أراه ليس تصرّف شخص في أزمة بل شخص يستعد لشيء. هل لديكِ أي عناوين مريبة؟
أعطيته العنوان.
ساد صمت قصير.
اذهبي إلى هناك، قال أخيرًا، لكن لا تذهبي وحدك. أنا في طريقي، ومعي شخصان. واتصلي بالطوارئ فورًا. بلّغي أن ابنتك غادرت المستشفى وهي في حالة غير مستقرة، وأنك تخشين احتجازها.
فعلتُ.
لا أعلم كيف تماسك صوتي، لكنني نجحت. ذكرتُ الاسم، الوقت، المستشفى، حالتها بعد الولادة، والرضيع، والاشتباه في نقلها دون موافقة حقيقية.
في البداية، كان الصوت على الطرف الآخر باردًا روتينيًا.
حتى قلت هناك طفل حديث الولادة في خطر.
عندها تغيّر كل شيء.
يتم إرسال دورية الآن. هل لديكِ العنوان؟
أعطيتُه.
ثم انطلقتُ.
كان الطريق ليلًا طويلًا بشكلٍ لا يُحتمل. أضواء باهتة، شوارع شبه خالية، وصمت يضغط على صدري. كنت أكرر اسم ابنتي كأنه طوق نجاة
هناء هناء هناء
وصلتُ.

الساعة كانت تشير إلى الثانية وإحدى عشرة دقيقة بعد منتصف الليل.
مبنى قديم. ثلاثة طوابق. بوابة معدنية، وضوء خافت، ورائحة رطوبة.
أوقفتُ السيارة بعيدًا واقتربتُ.
كانت هناك سيارة دفعٍ رباعي سوداء.
تعرّفتُ عليها فورًا.
رأيتها من قبل.
عند منزل هناء.
سكن الخوف داخلي ثم اختفى.
حلّ مكانه شيء آخر هدوء بارد.
هدوء من لم يعد لديه ما يخسره.
نظرتُ إلى نوافذ الطابق الثاني.
ضوء خافت وظلّ يتحرك خلف الستارة.
وصل حازم بعد دقائق ومعه رجل ضخم، وشابة تحمل ملفًا.
وبعدهم مباشرة سيارة الشرطة.
لم أشعر يومًا بالراحة لرؤية الشرطة كما شعرتُ تلك اللحظة.
شرحتُ بسرعة.
كان الضابط مترددًا حتى تدخّل حازم
خروج غير قانوني من المستشفى، حالة طبية غير مستقرة، ورضيع حديث الولادة. هذا احتمال احتجاز.
تغيّر موقفه.
صعدنا الطابق الثاني الشقة 2B.
كنتُ أنا في المقدمة. طرقتُ الباب بكل قوتي.
هناء! أنا أمك!
صمت. طرقتُ مرة أخرى، بعنف أكبر.
أمين! افتح الباب حالًا!
حركة في الداخل.
صوت ارتطام.
ثم صوت خافت..بكاء طفل.
تجمّدت أنفاسي. إنه بالداخل! صرختُ. الطفل بالداخل!
تقدّم الضابط وضرب الباب
شرطة! افتح الباب!
صمت متوتر.
ثم صوته.
أمين.
لا يمكنكم الدخول! زوجتي تحتاج للراحة!
افتح الباب فورًا، قال الضابط.
لن أفتح!
قالها وكان يقصدني أنا.
تبادل رجل الأمن نظرة مع الضابط.
لحظة تردد.
ثانية واحدة فقط
ثم صوت ارتطام قوي من الداخل.
ثم صوت ضعيف مكسور.
لكن لا يمكن الخطأ فيه.
ماما
لم أعد أتذكر من الذي أعطى الأمر أو من كان أول من اندفع، كل ما أعرفه أن الباب استسلم بعد دفعةٍ قوية بالأكتاف ودخلنا، والمشهد لا يزال يزورني في أحلامي.
كانت الشقة شبه فارغة، أريكة قديمة، كرسيان بلاستيكيان، سرير طفل متنقل لم يُركّب بالكامل، علب حليب لم تُفتح، وأكياس صيدلية مبعثرة على الأرض.
وكان أمين يقف في منتصف غرفة المعيشة، أشعث،
وقميص المستشفى لا يزال ملطخًا، كرجلٍ عالق داخل كذبة لم يعد يعرف كيف يُكملها.
وفي الخلف، في غرفة النوم الوحيدة، كانت ابنتي هناء جالسة على مرتبة بلا إطار، شاحبة ومرهقة، ترتدي ثوب المستشفى تحت سترة، وشعرها ملتصق بجبينها، وعيناها غائرتان من الإرهاق.
وعلى صدرها كان الطفل، حفيدي، ملفوفًا ببطانية زرقاء، وعندما رأتني لم تصرخ ولم تندفع، بل بدأت تبكي بصمت، وكان ذلك الصوت أكثر ما حطّمني.
ليس صراخًا ولا هستيريا، بل بكاءً صامتًا لامرأةٍ قاومت لساعات، ركضتُ نحوها، حاول أمين أن يعترض طريقي لكن الضابط أوقفه.
فرفعت هناء ذراعها نحوي بصعوبة وهمست ماما، لمستُ وجهها فشعرت بحرارتها المرتفعة، فتمتمت يا إلهي يا حبيبتي.
وفي تلك اللحظة أصدر الطفل صوتًا خافتًا، كان صغيرًا، حيًا، هشًا، فانحنيتُ نحوهما وقبّلتهما معًا، وشعرتُ بشيءٍ داخلي، شيءٍ كان متجمّدًا منذ ساعات، ينكسر أخيرًا.
فسألتها بصوتٍ مرتجف هل آذاكِ؟ فأغمضت عينيها وقالت بصوتٍ واهن لم يسمح لي بالاتصال.
نظرتُ إليها وقد عاد الخوف يتشكّل داخلي، وسألت لماذا أنتِ هنا؟ ماذا يحدث؟ فأدارت وجهها نحو أمين، وفي تلك الحركة لم أرَ التعب فقط، بل رأيت خوفًا حقيقيًا.
وفي الخلف كان الضابط يطلب بطاقات الهوية، بينما بدأ حازم يتحدث بسرعة ودقة عن حالتها الصحية وخروجٍ مشبوه وأفعالٍ قد تكون جنائية.
وكانت الشابة التي معه قد بدأت بالفعل في تصوير كل شيء، الأدوية، الأوراق، سوار المستشفى الخاص بهناء، سوار الطفل، الزجاجات الفارغة، كأنها تجمع خيوط جريمة تتشكل أمامنا.
عندها رفع أمين يديه محاولًا استعادة هدوئه وقال هذا سوء فهم، زوجتي توترت بعد الولادة، أحضرتها إلى هنا فقط لترتاح بعيدًا عن التدخل، أمها دائمًا تتدخل في كل شيء.
لكن هناء أطلقت ضحكة مكسورة انتهت بأنين ألم وهمست لا أحضرني إلى هنا لأوقّع.
عندها نظرتُ إليه، وخفض نظره لثانية
واحدة فقط، لكنها كانت كافية، فسألت ببطء أوقّع ماذا؟.
فضمّت هناء الطفل أكثر إلى صدرها وقالت بصوتٍ متقطع أوراق حضانة
 

تم نسخ الرابط