عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا

لمحة نيوز

المكان أبدًا. نظر حوله ثم قال بثقة
أين الشاب صاحب أرض الكهف؟
قلت
أنا.
ابتسم ابتسامة محسوبة وقال
أنا ممثل عن الشركة المهتمة بالأرض. نريد تحسين العرض. مئتا ألف ريال.
مئتا ألف.
كان الرقم كافيًا ليوقظ داخلي الطفل الذي كان يحلم بسرير لا يُسلب، وطعام لا ينقطع، وغرفة لا يطرده منها أحد.
لكنني لم أعد ذلك الطفل فقط.
كنت الرجل الذي رأى الباب الحديدي.
وشرب من الماء.
وقرأ رسالة جده.
سألته
لماذا هذا الاهتمام بأرض قلتم إنها لا تساوي شيئًا؟
لمعت عيناه لحظة، ثم بدأ يتحدث بكلمات عامة استثمار، تطوير، مشاريع مستقبلية، فرصة لا تتكرر.
كلام كثير.
وحقيقة غائبة.
عدت تلك الليلة إلى دفتر جدي، وقرأت صفحاته من جديد. في الصفحات الأخيرة كتب
حين يرفعون السعر، اعرف أنهم اقتربوا من الخوف. لا تبع.
بعدها قررت أنني لا أستطيع حماية المكان وحدي. كنت بحاجة إلى شخص يفهم العلم، والقانون، والأرض.
هكذا تعرفت إلى الدكتورة مها العسيري، باحثة متقاعدة كانت تعيش في المنطقة بعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي في البيئة والمياه الجوفية. في البداية لم تصدقني بسهولة. قالت إن كثيرين يبالغون في قصص الينابيع والكهوف. لكن حين عرضت عليها دفتر جدي وبعض الصور، وافقت أن تأتي معي.
دخلت الكهف.
رأت الباب الحديدي.

رأت الغرفة الحجرية.
ورأت الماء.
ركعت بجانبه، لمست الماء بيدها، ثم رفعت رأسها ونظرت إليّ بنظرة لم أنسها.
قالت بصوت منخفض
يا سالم هذا ليس اكتشافًا عاديًا.
أخذت عينات، ودرست الخرائط، وراجعت الوثائق القديمة. ومع مرور الأسابيع، بدأت الحقيقة تتضح أكثر الكهف يخفي مصدرًا مائيًا طبيعيًا نادرًا، محميًا بطبقات صخرية، وقد يكون قادرًا على دعم القرية والمزارع الصغيرة حولها إذا استُخدم بحكمة.
عادت الشركة مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن العرض مئتي ألف.
كان نصف مليون ريال.
قال الرجل
هذا أكثر مما يستحقه المكان.
نظرت إليه وقلت
بل هو يستحق أكثر مما تتخيل.
عندها اختفت ابتسامته.
بدأت الضغوط. اتصالات مجهولة. زيارات ناعمة تحمل تهديدًا مخفيًا. كلام عن أنني صغير، ولا أفهم، وأن المال فرصة لا تعوض. قالوا إنني سأندم. قالوا إن الشركات تعرف كيف تأخذ ما تريد في النهاية.
وفي ليالٍ كثيرة، كنت أخاف.
أنا شاب خرج من دار الأيتام بلا عائلة. من سيقف معي لو قرروا سحقي؟
لكنني اكتشفت أنني لم أعد وحدي.
الدكتورة مها بدأت تتحدث مع أهل القرية. شرحت لهم أن ما في الكهف ليس ملكًا لشركة، ولا فرصة لشخص واحد، بل مصدر حياة يمكن أن ينقذ المنطقة إذا حُمي من الاستغلال.
في البداية خاف الناس.
ثم بدأوا يفهمون.
المزارعون
الذين يعرفون معنى العطش وقفوا أولًا. ثم النساء اللواتي يحملن الماء لمسافات طويلة. ثم كبار السن الذين رأوا مواسم الجفاف تأكل الأرض عامًا بعد عام.
صار الكهف قضيتهم أيضًا.
بعد شهور طويلة من الإجراءات والضغط والتقارير، تم الإعلان رسميًا عن حماية الأرض كموقع مائي محلي، ومنع بيعها أو استغلالها تجاريًا. تم الاتفاق على إنشاء قنوات بسيطة ومنظمة تصل المياه إلى القرية تحت إشراف أهلها، وبشروط صارمة تمنع الشركات من السيطرة عليها.
في اليوم الذي صدر فيه القرار، بكيت.
ليس لأنني ربحت أرضًا.
بل لأنني لأول مرة في حياتي شعرت أن اسمي لم يُكتب في ملف مشكلة بل في وثيقة حماية.
الكوخ القديم رُمم.
لم يتحول إلى قصر، ولا إلى حلم مزيف.
صار مركزًا صغيرًا للتوعية بالمياه والبيئة. يأتيه الطلاب ليروا كيف يمكن لمكان قالوا إنه بلا قيمة أن يتحول إلى سبب حياة.
علقنا خرائط جدي على الجدران. وضعنا صورًا للكهف. وتركنا الباب الحديدي كما هو، شاهدًا على السر الذي كاد يُباع بثمن بخس.
أما أنا
أنا الذي خرجت من دار الأيتام بصندوق صغير ومفتاح صدئ، بدأت أجد شيئًا يشبه البيت.
والبيت ليس دائمًا جدرانًا فاخرة.
أحيانًا البيت هو المكان الذي لا تخاف فيه أن يقولوا لك
اخرج.
في يوم الافتتاح، امتلأ المكان بأهل
القرية. الأطفال كانوا يركضون ويضحكون، والرجال يتحدثون بفخر، والنساء يملأن القوارير من الماء الذي صار حقًا لهم، لا صفقة في يد شركة.
وقفت الدكتورة مها بجانبي، وبعد انتهاء الكلمات الرسمية، التفتت إليّ وقالت
جدك كان سيفخر بك يا سالم.
تلك الجملة وحدها كانت تعويضًا عن سنوات لم يقل لي فيها أحد إنه فخور بي.
في تلك الليلة دخلت الكهف وحدي. حملت المصباح والدفتر القديم. مررت من الباب الحديدي، وجلست قرب الماء. كان خريره هادئًا، كأنه صوت جدي يقرأ ما بين السطور.
فتحت الدفتر وكتبت في آخر صفحة
يا جدي لم أبع الكهف. حولناه إلى حياة.
ثم توقفت قليلًا، وأضفت
وأنا أيضًا لم أكن بلا قيمة.
بدأت رحلتي بصندوق ملابس مستعملة، وورقة خروج، ومفتاح صدئ.
واليوم أملك ما هو أثمن من مئة ألف، ومن نصف مليون، ومن أي عرض آخر.
أملك إرثًا.
ليس مالًا.
ولا قصرًا.
ولا اسم عائلة يحمي ظهري.
أملك مكانًا كان منسيًا مثلي، لكنه أثبت أن الأشياء التي يظنها الناس بلا قيمة قد تكون هي التي تنقذ الجميع.
قالوا إنني ورثت كهفًا مهجورًا.
لكن الحقيقة؟
لقد ورثت سرًا.
ووجدت في داخله عائلة من نوع آخر أناسًا لا تربطني بهم الدماء، لكن تربطني بهم الحياة.
وجدت هدفًا لا يُشترى.
واكتشفت أن البدء من الصفر لا يعني أنك لا تملك
شيئًا
بل يعني أنك تبدأ بما هو أهم من كل شيء
إيمانك بأنك تستحق أن تكون هنا.

تم نسخ الرابط