عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا

لمحة نيوز

عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفًا لا قيمة له لكن ما وجدته في داخله غيّر حياتي إلى الأبد.
كنت طفلًا حين سلبتني الحياة كل شيء، وصرت شابًا حين أعادت إليّ ورقة واحدة ومفتاحًا صدئًا لمكان لم يكن أحد يرغب فيه. قالوا إنني ورثت كهفًا مهجورًا في منطقة بعيدة، لا يصلح لشيء، ولا يساوي شيئًا لكن ما اكتشفته في أعماقه أعاد تعريف معنى البيت والعائلة والكرامة والإرث الحقيقي.
إن كنت يومًا قد شعرت أنك تبدأ من الصفر، بلا سند، بلا بيت، بلا أحد ينتظرك فهذه الحكاية لك.
كان يوم بلوغي الثامنة عشرة هو اليوم الذي توقفت فيه رسميًا عن أن أكون رقمًا داخل دار الأيتام في الرياض. لم تكن هناك كعكة، ولا احتفال، ولا وداع حقيقي. فقط صندوق صغير فيه بعض الملابس القديمة، وشهادة ميلادي، وبطاقتي، وبعض الأوراق التي شعرت أنها بالكاد تخصني.
على مدى سنوات طويلة كنت مجرد ملف داخل نظام يعرف اسمي أكثر مما يعرف وجعي. ثم فجأة، بتوقيع ورقة لم أفهم كل ما فيها، أصبحت حرًا.
لكنني لم أشعر بالحرية.
شعرت كأنني دُفعت خارج باب أعرفه إلى عالم لا أعرف فيه أحدًا، ولا يعرفني أحد.
كانت الأستاذة نورة، الأخصائية الاجتماعية التي تابعت حالتي في آخر سنواتي هناك، هي من أنهت إجراءات خروجي. جلستُ أمامها في مكتب صغير،

رائحته خليط من القهوة الباردة والمطهر، وبيننا رزمة أوراق وصندوق حياتي كله عند قدمي.
قالت وهي تقلب الأوراق
حسنًا يا سالم رسميًا أصبحت بالغًا. انتهت إجراءاتك.
هززت رأسي بصمت. كنت أحاول ألا أُظهر ارتجاف يديّ. كيف يبدأ الإنسان حياته بصندوق؟ كيف يخرج إلى الدنيا وهو لا يملك إلا ملابس قليلة واسمًا لم يسأل عنه أحد؟
ثم دفعت الأستاذة نورة نحوي ظرفًا بنيًا سميكًا، وقالت بهدوء غريب
قبل أن تخرج هناك شيء يجب أن تعرفه. علينا أن نتحدث عن إرثك.
رفعت رأسي بسرعة.
إرثي؟
قالت
نعم. جدك عبدالله ترك لك شيئًا قبل وفاته، وبقي محفوظًا لأنك كنت قاصرًا ولم يكن لديك وصي قانوني يستلمه عنك.
توقف الهواء في صدري.
جدي عبدالله.
كان صورته في ذاكرتي بعيدة، لكنها لم تكن ميتة. رجل كبير بوجه طيب، يداه خشنتان، ورائحته تشبه الخشب والقهوة. كان آخر شخص حاول أن يبقيني معه بعد وفاة والديّ، لكنهم قالوا وقتها إنه كبير في السن، ودخله قليل، وبيته غير مناسب.
لم يسمحوا له أن يحتفظ بي.
ومن يومها اختفى من حياتي.
سألت بصوت متردد
هو ترك لي شيئًا؟
نظرت إليّ الأستاذة نورة بنظرة شفقة متعبة وقالت
اضبط توقعاتك يا سالم. ليست ثروة. إنها قطعة أرض.
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين. وجدت أوراق ملكية قديمة، ومفتاحًا صدئًا ثقيلًا.
كان
في الأوراق ذكرٌ لقطعة أرض جبلية في جنوب المملكة، بعيدة عن المدن، أرض صخرية قاسية، لا تصلح للزراعة ولا للبناء، وبداخلها كهف طبيعي قديم.
كهف.
قالت الأستاذة نورة بلطف
التقييم الرسمي يقول إن الأرض شبه عديمة القيمة. لا خدمات، لا طريق واضح، لا إمكانية استثمار حقيقية. هناك كوخ قديم على الأغلب مهجور، والكهف مسجل كتكوين طبيعي بلا قيمة.
بلا قيمة.
نزلت الكلمة على صدري كحجر.
كأن كل ما تركه لي جدي حفرة في جبل.
كأن آخر ما ربطني بعائلتي كان مكانًا منسيًا لا يريده أحد.
ثم أخرجت الأستاذة نورة ورقة أخرى وقالت
لكن هناك شركة كبيرة مهتمة بشراء الأرض. يعرضون عليك مئة ألف ريال.
نظرت إليها بصمت.
مئة ألف ريال.
بالنسبة لشخص خرج للتو من دار الأيتام بصندوق ملابس، كان الرقم يبدو كأنه بداية حياة. غرفة أستأجرها. طعام. ملابس. فرصة ألا أنام في الشارع.
قالت
أنصحك بالتفكير بجدية. المال قد يساعدك على بداية جديدة بدل التمسك بمكان لا فائدة منه.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يدور في رأسي
إذا كان المكان لا يساوي شيئًا فلماذا تريد شركة كبيرة شراءه؟
سألتها.
تنهدت وقالت
الشركات أحيانًا تشتري أراضي رخيصة وتنتظر. ربما مشروع مستقبلي، ربما ممر، ربما مجرد استثمار. لا أعلم. المهم أن العرض موجود.
نظرت إلى المفتاح في يدي.

كان قديمًا وثقيلًا، كأنه لا يزن معدنًا فقط بل يزن سنوات من الصمت. كان مفتاحًا لمكان لم أره قط، لكنه كان المكان الوحيد في العالم الذي يحمل اسمي.
وفي تلك اللحظة، لم أستطع بيعه.
لم يكن الأمر عن الأرض.
كان عن أن شخصًا ما جدي عبدالله ترك لي شيئًا وقال بطريقته الصامتة
هذا لك.
في تلك الليلة، جلست في محطة الحافلات، والصندوق عند قدمي، والظرف في يدي. كانت أصوات الناس حولي كثيرة، لكنني لم أسمع إلا صوتًا واحدًا داخليًا يقول
اذهب.
حتى لو كان المكان لا يساوي شيئًا.
اذهب وانظر بنفسك.
مع طلوع الفجر، اشتريت تذكرة متجهًا إلى الجنوب. لم أوقّع على البيع. لم أقبل المال. لم أسمح لهم أن يشتروا آخر خيط يربطني بمن حاول أن يحميني يومًا.
كانت الرحلة طويلة ومرهقة. الطريق يبتعد عن صخب الرياض شيئًا فشيئًا، والجبال تظهر كأنها حراس قدامى يقفون بصمت. كنت أجلس قرب النافذة، والصندوق بين قدمي، والمفتاح في جيبي يضغط على جسدي كأنه يذكرني أنني لم أعد أهرب بل أذهب إلى شيء يخصني.
وصلت إلى منطقة جبلية بعيدة، ثم سألت أكثر من شخص حتى دلوني على طريق ترابي طويل يقود إلى الأرض.
قال لي رجل مسن في محطة صغيرة
ما لك هناك يا ولدي؟ ما فيه إلا صخر وغبار.
لم أجب.
كنت قد سمعت هذه الجملة بشكل آخر طوال حياتي
ما فيك
فائدة.
لا أحد يريدك.
لن تجد شيئًا.
لكنني تابعت الطريق.
سرت طويلًا،
تم نسخ الرابط