صرخـة فـي صمـت المطـر كـاملة بقلـم منـي الـسـيد
تنازلات صغيرة متغلفة ب تفاهم.. مرات كتير سكت فيها جرس الإنذار جوايا لأن البديل كان هيتطلب إني أغير حياتي كلها.
بس ببطء، أسبوع ورا أسبوع، عقلي بدأ يرجع ليا.
ومعاه، رجعت حاجة تانية..
شغلي.
يوم وأنا بقلب في صناديق يوسف جابها لي من القصر، لقيت شنطة هندسة قديمة مستخبية ورا جواكت الشتا. جواها كانت رسوماتي.. الحقيقية. مش خريطة قعدة العزومات، ولا اقتراحات تجديد مكتب ياسين.. رسوماتي أنا.
مشاريع مسابقات.. لوحات أفكار.. تصميمات لمجمعات سكنية لمحدودي الدخل من أيام ما كنت فاكرة إن الهندسة ممكن تخلي حياة الناس ألطف.
فردتهم على السفرة وفضلت باصة لهم كتير لدرجة إن يوسف دخل عليا وسكت في نص كلامه.
أنا مابصيتش في دول من سنين.. قلتها.
بص للورق، وبعدين بص لي كان لازم تبصي.
ده كل اللي قاله.
لا خطبة، ولا ضغط، ولا كلام منقذ رومانسي.. حقيقة وبس.
وفعلاً..
رجعت نقابتي.. تواصلت مع اتنين من زمايلي القدام اللي كانوا دايماً بيحترموا شغلي أكتر من جوازي.. خدت مشروع استشاري صغير، وبعدين غيره.. صممت مقترح لتطوير منطقة سكنية في جنوب القاهرة. ماكنش برستيج، بس كان بتاعي.
الطلاق خلص رسمي في سبع شهور.
أسرع مما المحامي توقع، لأن ياسين لما المراجعات المالية والقانونية زادت عليه في الشركة، مابقاش عنده حيل
يوم ما وقعنا الورق الأخير، طلب يشوفني لوحدنا.
المحامي نصحني ب لأ قاطعة.
وافقت، بس بشرط يوسف والمحامين يكونوا في الأوضة اللي جنبي.
كان باين عليه إنه كبر..
مش مكسور.. الرجالة اللي زي ياسين مابيتكسروش بسهولة.. بس منطفي. فيه نوع من العجز بيبان لما الراجل يخسر مش بس السلطة، بل الجمهور اللي كان فاكر خوفهم احترام. قعد قدامي في غرفة اجتماعات محايدة وبص في وشي كأنه بيحاول يلاقي الست القديمة اللي كانت بتنحي قدام مزاجه.
أنا غلطت.. قالها.
كنت هضحك..
غلطت..
كأننا بنتكلم عن غلطة حسابية في كراسة.
أنت كنت بتهيني وتضربني.. قلتها.
اتنفض مكان كأني ضربته..
مش لأن الكلمة ظالمة.. لأنها حقيقية وأنا أخيراً نطقتها.
ده مش أنا.. قالها تلقائياً.
بصيت له كتير..
وبعدين رديت بالجملة اللي قعدت سنين عشان أستحقها
ده اللي كنت بتعمله بانتظام.. وده أهم بكتير من الحكاية اللي أنت مؤلفها عن نفسك.
لأول مرة، ملقاش رد.
لا غضب، ولا تعالي، ولا نبرة الراجل التعبان اللي بيحسسك إنك نكدية عشان بتسمي الحاجات بمسمياتها. بس فراغ.. وتحت الفراغ ده،
وقفت.
نطق اسمي مرة واحدة.. بصوت واطي.
كاميليا القديمة كانت هتلف له فوراً..
كاميليا دي مابصيتش وراها.
بعد سنة، في يوم مشمس من أيام ديسمبر، كنت واقفة في موقع بناء.. لابسة الخوذة والسيفتي، وبراجع تسليح المبنى لمشروع سكني مكتبي الصغير كان كسبه. الجو ريحته تراب، وقهوة، وخرسانة مصبوبة. العمال بينادوا على بعض من الدور التاني.. وراديو شغال في حتة بعيدة.
راجعت خط في الرسمة، وبعدين بصيت لفوق، لنور الشمس.
ولثانية واحدة، ذكرى الليلة اللي كنت فيها مبلولة رجعت لي بوضوح مرعب. الفوطة.. الزقة.. البوابة.. عربية يوسف.. الكدمة تحت نور الكشاف.
الذكرى دي مابنتش تمتلكني..
دي المعجزة.
مش إن الذكرى اتمسحت.. ولا إن العدل جه بالمسطرة.. ولا إن الدنيا عاقبت ياسين بكل الطرق اللي قلبي المكسور كان بيحلم بيها. الدنيا مابتمشيش كدة.. فيه ناس بتقع علني.. وفيه ناس بتصغر في الداري.. وفيه ناس بيفضل معاها فلوس كافية تخليها تفضل خطر في دواير أصغر.
بس كل ده مغيرش الحقيقة المركزية..
هو رماني كأني ماليش لازمة..
وأنا ما اختفيتش.
يوسف زارني في الموقع بعد الضهر.
مشى حوالين المبنى بتركيزه المعتاد، سأل سؤالين دقيقين عن المواعيد والخامات،
شكلك رجعتي لنفسك تاني.. قالها.
ابتسمت لأ.. بقى شكلي زي واحدة كان لازم تحمي نفسها من بدري.
هز راسه بموافقة.
وبعدين بص للمبنى اللي بيعلى تحت الشمس
شغل نضيف.
بصيت للحديد، والسقالات، والهندسة بتاعة حاجة بتتبني بجد من الأرض
فعلاً.
بعد سنين، الناس هتحكي الحكاية غلط.
هيقولوا جوزها رماها في الشارع بالفوطة، ف اترفد عشان أخوها كان هو صاحب الشركة في السر. هيقولوها كأنها تحول درامي، كأنها انتقام، كأنها قصة خيالية عن السلطة المستخبية والنتيجة الفورية. وأيوه، الجزء ده حقيقي كفاية عشان يتحكي.
بس دي مش القصة كلها.
القصة الحقيقية إن قبل ما يرميني بفترة طويلة، كان بيعلمني أشك في مكاني في الدنيا. القصة الحقيقية إن العنف مابدأش ب قلم.. بدأ أول مرة خلى فيها مواهبي مجرد خدامة لنجاحه هو. القصة الحقيقية إن سلطة أخويا كانت مهمة، بس مش أهم من اللحظة اللي أنا بطلت فيها أساعد الظالم إنه يقنعني إنه عاقل.
والحاجة اللي ياسين فعلاً عمره ما تخيلها، مكنتش إن يوسف هيكون مستنيني بره..
كانت إن الست اللي كان مفكرها عايشة على حسه، هتعيش وتنجح وتعديه بمراحل.. لدرجة إن في يوم من الأيام، اسمه هيبقى مجرد هيكل هندسي بايظ أنا درسته،
النهاية بقلم مني السيد