توفيت ابنتي منذ عامين لكن الأسبوع الماضي، تلقيت اتصالًا من مدرستها يخبرني أنها تجلس الآن في مكتب المديرة

لمحة نيوز

لم أُجب فورًا. ظلّ الهاتف يهتز فوق طاولة المطبخ، بجوار صورتها تلك الصورة التي كانت تبتسم فيها بعفوية، وشعرها مربوط بشكل مائل، وبقايا شوكولاتة على طرف شفتيها. عامان كاملان منذ أن أصبحت تلك الصورة كل ما تبقّى لي منها.
عندما رأيت رقم المدرسة، انقبض قلبي، لم يتصلوا بي منذ ذلك اليوم، منذ أن تركت ابنتي الدراسة إلى الأبد، جاءني الصوت عبر الهاتف سيدتي، صباح الخير نتصل بكِ بخصوص ابنتكِ، إنها موجودة الآن في مكتب المديرة، ونحتاج حضورك فورًا، ساد الصمت للحظات، ثم بدأت أضحك، ضحكة عصبية كادت تخرج عن السيطرة، وقلت ببرود ابنتي ماتت.
على الطرف الآخر، تردد الصوت قبل أن يقول سيدتي، أتفهم صدمتك، لكن هذا ليس مزاحًا، إنها ترفض العودة إلى الصف وتطلب رؤيتك، بدأت يداي ترتجفان، وهمست بصوت متقطع أنتم مخطئون، لا بد أن هناك شخصًا آخر، لكن الرد جاء حاسمًا لا يا سيدتي، لدينا اسمك ورقمك، وهي مسجلة لدينا وهي هنا الآن.
توقف العالم من حولي، نهضت دون تفكير، التقطت معطفي ومفاتيحي وخرجت دون أن أتأكد حتى من إغلاق الباب خلفي، كل شيء كان ضبابيًا، الشوارع، الناس، إشارات المرور لم أكن أرى شيئًا، فقط جملة واحدة تتردد في رأسي بلا توقف إنها هناك إنها هناك.
عندما وصلت أمام المدرسة، عجزت قدماي

عن التقدم، كان كل شيء كما هو، نفس البوابة، نفس صرخات الأطفال، نفس الجدران الباردة، لم يتغير شيء إلا أن ابنتي لم يعد من المفترض أن تكون جزءًا من هذا العالم، وقفت في مكاني عاجزة عن التنفس، حتى تعرّفت عليّ إحدى المشرفات، ورأيت وجهها يشحب وهي تقول بصوت مرتجف سيدتي لقد جئتِ، سألتها فورًا أين هي؟، لكنها لم تجب، واكتفت بالإشارة إليّ أن أتبعها.
بدت كل خطوة وكأنها غير حقيقية، الممر لا يزال تفوح منه رائحة مواد التنظيف، والخزائن مغطاة برسومات الأطفال، وكأنني أسير داخل ذكرى لم أستطع مغادرتها يومًا، وعندما وصلنا أمام مكتب المديرة، توقفت المشرفة وهمست إنها بالداخل، وضعت يدي على المقبض، لكنني لم أجرؤ على فتح الباب، لأنه إن كان ما قيل صحيحًا، فكل ما عشته خلال العامين الماضيين، الدموع والنعش والتعازي، لن يكون له أي معنى، وإن لم يكن صحيحًا، فهذا يعني أنني أفقد عقلي.
فتحت الباب أخيرًا، كانت المديرة تقف خلف مكتبها ووجهها شاحب، وعلى أحد الكراسي جلست طفلة صغيرة تدير ظهرها لي، مجرد هيئة صغيرة لكنها مألوفة بشكل مرعب، كان شعرها وحده كافيًا ليخنق أنفاسي، همست بصوت متكسر استديري، فأدارت الطفلة رأسها ببطء، وفي تلك اللحظة توقف قلبي، كانت هي أو نسخة منها لا يمكن تمييزها.
نفس
الملامح، نفس الندبة فوق الحاجب، نفس الطريقة التي تقبض بها يديها عندما تخاف.
ثم همست بصوت خافت ماما
انقلب العالم رأسًا على عقب، فتشبثتُ بالجدار كي لا أسقط، وهمستُ بصوتٍ مبحوح هذا غير ممكن
بينما تحدثت المديرة بصوتٍ مرتبك وقد بدا عليها التأثر الشديد سيدتي هذه الطفلة وصلت هذا الصباح، تذكر اسمكِ كأم لها، وتعرف تفاصيل تفاصيل شخصية للغاية، ونحن أيضًا لا نفهم ما يحدث
عندها نهضت الطفلة ببطء وقالت بعينين دامعتين لقد جئتِ كنت أعلم أنكِ ستأتين، لكنني لم أستطع التحرك، لأن خوفًا أكبر كان يتمدد داخلي، خوفًا يهمس بأسئلة لا تحتمل ماذا لو لم يكن هذا خطأ؟ ماذا لو كذب عليّ أحدهم؟ أو الأسوأ ماذا لو أن ابنتي لم تمت أصلًا؟
لم أتحرك نحوها فورًا، رفض جسدي التقدم، وكأنه يدرك أن تلك الخطوات القليلة ستجبرني على مواجهة حقيقة مستحيلة؛ إما أنني عشت وهمًا طوال عامين، أو أن ما دفنته بيدي لم يكن ميتًا يومًا، بدت الغرفة أضيق من أن تحتمل هذا التناقض، وتجنبت المديرة النظر إليّ، كأنها تشهد أمرًا يتجاوز كل منطق، أما الطفلة فكانت تحدق بي بترقب هش، وكأنها تخشى ألا أتعرف عليها.
ماما قالتها مرة أخرى.
سمعتُ هذه الكلمة آلاف المرات من قبل، في التعب، في الضحك، في البكاء، في تفاصيل الحياة الصغيرة،
لكنها هذه المرة سقطت عليّ بثقل عامين من الصمت، فضربتني في أعماقي بلا رحمة.
وأخيرًا تقدمت.
خطوة ثم أخرى.
لم أرفع عيني عن وجهها، كل تفصيلة كانت واضحة بشكل قاسٍ، الندبة فوق حاجبها، أفتح قليلًا من الجلد، تذكرتُ يوم سقطت في الحديقة، كيف بكت، كيف حملتها، كيف طمأنتها، لا يمكن لأي خدعة أن تعيد تفاصيل كهذه بهذه الدقة.
سألتها بصوت جاف ما اسمك؟
عبست قليلًا، وكأن السؤال آلمها أنتِ تعرفين اسمي
قلت بصرامة قوليها.
صمتت لحظة، ثم همست كلارا.
ارتجف قلبي.
ومتى عيد ميلادك؟
أجابت فورًا، دون تردد.
أغمضت عيني، ويدي ترتجف.
ماذا كنتِ تحبين أن تأكلي يوم الأحد عندما كان والدكِ يتظاهر أنه يطبخ؟
ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها معكرونة مطهية أكثر من اللازم ومالحة جدًا وكنتِ دائمًا تقولين إنها لذيذة حتى لا تحزنيه.
استندتُ إلى المكتب، العالم من حولي بدأ يميل، لم يكن هذا ممكنًا ومع ذلك، كل شيء فيها كان يصرخ بأنها هي.
تنحنحت المديرة بتوتر سيدتي فكرنا في خدعة أو أمرٍ غير قانوني لكنها تعرف أشياء لا يمكن لأحد هنا معرفتها.
لم أعد أستمع.
انحنيت أمام الطفلة حتى أصبحت في مستواها، وقلت بصوت خافت انظري إليّ.
فعلت.
عيناها
لم يكن الأمر مجرد لون أو شكل، بل شيء أعمق، نظرة مألوفة لا يمكن تعلمها،
بل تُعاش.
مددت
 

تم نسخ الرابط