أسورة دهب بقلم امانى سيد
وصلت المستشفى وفضلت واقف في الممر بعيد، مراقب الأوضة من غير ما حد يحس بيا. استنيت لحد ما أهلها خرجوا واحد ورا التاني عشان يريحوا أو يجيبوا طلبات، وأول ما الممر هدي تماماً، خبطت ودخلت بهدوء.
كانت ساندة ظهرها على السرير وباصة للشباك بشرود يوجع القلب، وأول ما شافتني اتنفضت واستغربت جداً، ملامحها الجميلة كانت باهتة بس لسه فيها سحر خاص. حاولت تعدل طرحتها وهي بتسأل بصوت واطي ومستغرب:
“حضرتك.. صاحب محل الذهب؟ هو في حاجة حصلت؟ الأسورة فيها مشكلة؟”
قربت خطوتين، وبصيت لها بنظرة فيها تقدير كبير وقلت بصوت هادي وواثق:
“الأسورة مفيش فيها أي مشكلة، والحمد لله إنها رجعت لأصحابها وليكي.. أنا اللي كان عندي مشكلة، مكنتش هعرف أرتاح ولا يجيلي نوم قبل ما أجي وأقولك كلمتين كان لازم تسمعيهم.”
سكتت وبصت لي بذهول، فكملت وأنا عيني في عينيها:
“أنا بقالي سنين في السوق ده، وشفت ستات كتير بيشتروا ويبيعوا، بس عمري ما شفت حد في رُقيك ولا في نبل
عينيها بدأت تلمع بالدموع، فقلت بنبرة فيها إعجاب واضح:
“أوعي في يوم تصدقي إنك ‘قليلة’ أو إن العيب فيكي زي ما بيقولوا. بالعكس، أنتي جوهرة حقيقية، واللي زيك يتشال فوق الراس ويتحافظ عليه في العيون. هو اللي خسر، وخسر حاجة ميتعوضش بكنوز الدنيا كلها. أنا جيت بس عشان أقولك ارفعي راسك، أنتي ست تملى العين، والدنيا لسه فيها رجالة ولاد أصول بيعرفوا قيمة الذهب الحقيقي لما يشوفوه.”
سكتت تماماً، وشفت ابتسامة خفيفة ومرتعشة بدأت ترسم على وشها، وكأن كلامي كان هو الطوق اللي أنقذها من الغرق في شكوكها. سبت الورد على التربيزة وانسحبت بهدوء، وأنا جوايا إحساس غريب بيقول إن دي مش آخر مرة هشوفها فيها.
خرجت من أوضتها وقلبي بيدق بطريقة غريبة، إحساس المرة دي كان مختلف عن أي بيعة أو شروة ذهب دخلت محلي.
“يا آنسة، كنت عايز أطمن بس على حالة المدام اللي في أوضة (٢٠٤)، أنا قريب العيلة ويهمني أتابع تطور حالتها، ممكن لو سمحتي رقمك عشان لو احتاجنا نسأل عن ميعاد خروجها أو أي أدوية ناقصة؟”
الممرضة وافقت وخدت رقمها، وبالفعل تاني يوم كلمتها، وعرفت منها الخبر اللي ريح قلبي: “الحمد لله، المدام خرجت النهاردة الصبح، وحالتها النفسية اتحسنت كتير، وكأن في حمل انزاح من على قلبها.”
فاتت الأيام، ورجعت لشغلي في المحل، بس هي فضلت ساكنة في خيالي. بقيت بتابع أخبارها من بعيد لبعيد، ومن خلال علاقتي القوية بوالدها “الحاج إسماعيل”، بدأت خيوط الحكاية تتجمع قدامي. عرفت إنها مخدتش وقت طويل؛ طلبت الطلاق وأصرت عليه بكل قوتها، والكل وقف في ظهرها بعد ما “قليل الأصل” ده انكشف تماماً قدام الكل.
عرفت كمان إنها رجعت تعيش في
كنت بقعد في محلي، أبص للكرسي اللي كانت قاعدة عليه، وأبتسم وأنا بقول لنفسي: “الذهب الأصلي مهما انطفا بريقه تحت التراب، بيرجع يلمع تاني أول ما يلمس إيد بتعرف قيمته.” وفضلت مستني اللحظة اللي القدر يجمعنا فيها من تاني، بس المرة دي وأنا اللي هقدم لها الذهب، مش هي اللي بتبيعه.
بدأت الخيوط تتشابك من تاني، بس المرة دي السكة كانت مرسومة بهدوء وعلى نار هادية. بقيت عارف مواعيدها، الأماكن اللي بتروحها مع بنتها، والنادي اللي بتقعد فيه ساعة العصاري.
بقيت أتعمد أظهر في طريقها، مش كواحد بيطاردها، لا.. كواحد “الصدفة” دايماً بتجمعه بيها. كنت بقف بعيد، ساند على عربيتي أو قاعد في طرابيزة في ركن بعيد في النادي، وعيني مش بتفارقها.
النظرات بينا بدأت تحكي اللي