طردوه من بيته تحت المطر… وبعد أيام عاد بثروة قلبت حياة الجميع!
الرجل الذي نزل من السيارة كان يحمل مظلة سوداء، ويرتدي بدلة داكنة ابتلت عند الكتفين.
لم يكن يبدو جارًا.
ولم يكن يبدو صديقًا.
بل بدا كأنه شخص أمضى وقتًا طويلًا وهو يبحث عن فرناندو رويز.
—أأنت السيد فرناندو؟ —سأل مرة أخرى، وهو يقترب بحذر.
لم يُجب فرناندو على الفور.
بل شدّد قبضته أكثر على الظرف تحت سترته المبتلة.
التصقت كارمن بذراعه، حائرة، منهكة، وقد التصق شعرها الأبيض بوجهها.
—من أنت؟ —سألت.
ابتلع الرجل ريقه.
—اسمي إستيبان فياريال. أنا محامٍ. جئت من مونتيري. وأحتاج إلى التحدث معك في أمر عاجل… يتعلق بأخيك ألفونسو رويز.
تجمّد فرناندو في مكانه.
كأن المطر قد توقف عن الهطول من أجله وحده.
فتحت كارمن عينيها بدهشة.
ألفونسو.
لم يسمعا هذا الاسم منذ أكثر من أربعين عامًا.
كان لفرناندو أخ أكبر.
وقد افترقا وهما شابان، بعد شجارٍ عنيف مع والدهما.
غادر ألفونسو البلدة بحقيبة واهنة، وقميصٍ مستعار، ووعدٍ مليء بالغضب: ألا يعود أبدًا.
لسنواتٍ طويلة لم يسمعوا عنه شيئًا.
لا رسالة.
ولا اتصال.
ولا خبر.
ومع مرور الوقت، بدأ فرناندو يعتقد أنه قد مات.
—هذا غير ممكن —تمتم بصوتٍ متهدج—. لقد اختفى ألفونسو منذ عقود.
—لم يختفِ —قال المحامي وهو يفتح حقيبته ببطء—. لقد كوّن ثروة في الشمال. ثم استثمر في تكساس. وبعدها في العقارات والنقل والصناعات الزراعية. لقد توفي قبل ثلاثة أسابيع.
وضعت كارمن يدها على فمها.
أما فرناندو فلم يرمش.
—وما علاقتي أنا بذلك؟
أخرج إستيبان ملفًا محفوظًا
—كل شيء. أنت الوريث المباشر الوحيد الذي تركه بإرادة صريحة.
أطلق فرناندو ضحكة جافة.
ضحكة حزينة، مشوبة بعدم التصديق.
—أنت مخطئ. لدي أربعة أبناء.
خفض المحامي نظره لحظة.
—كان أخوك واضحًا جدًا. الإرث مخصص لك وحدك. وفي حال وفاتك، لزوجتك، السيدة كارمن.
دوّى الرعد في السماء.
شعرت كارمن أن ساقيها تخذلانها.
اقترب المحامي خطوة، وتحدث بصوتٍ خافت:
—تبلغ قيمة الإرث، بين ممتلكات وحسابات واستثمارات، أكثر من مئة وعشرين مليون بيزو.
سقطت الحقيبة من يد كارمن.
أما فرناندو فلم ينطق.
أغمض عينيه فقط.
ثم تذكر الظرف الأصفر الذي احتفظ به طوال تلك السنوات.
بيدين مرتجفتين، أخرجه من سترته وأراه لإستيبان.
—هل تقصد هذا؟
نظر إليه المحامي بدهشة.
فتح فرناندو الظرف بحذر.
كان بداخله خطاب قديم.
الورق مصفرّ، والحبر بالكاد ما زال ظاهرًا.
كان من ألفونسو.
وقد وصل قبل عشرين عامًا.
في ذلك الوقت، كان فرناندو غارقًا في الديون، يحاول إنقاذ البيت، ويدفع تكاليف دراسة وزيجات وعلاجات وإخفاقات أبنائه.
كانت الرسالة تحتوي على عنوان وطلب.
“إن قررت يومًا أن تبحث عني، فما زلت أود رؤيتك، ولو لمرة واحدة.”
لكن فرناندو لم يذهب.
لم يذهب أبدًا.
لماذا؟
لأن ابنته الصغرى حملت في ذلك الأسبوع واحتاجت إلى مساعدته.
ولأن ابنه الأكبر تعرض لحادث وباع أدواته ليسدد التكاليف.
ولأن أحدهم طلب مالًا لمشروع.
ولأن الآخر أقسم أنه هذه المرة سينهي دراسته.
وفرناندو، كما كان دائمًا، اختار أبناءه.
اختار أن يؤجل نفسه.
اختار أن يتحمل وحده.
اختار أن يظن أن الوقت ما زال متاحًا.
لكنه لم يكن كذلك.
ارتجفت يداه وهو يمسك بالرسالة.
—كان بإمكاني أن أراه… —همس—. كان بإمكاني أن أذهب إليه… ولم أفعل.
انفجرت كارمن بالبكاء.
ليس بسبب المال.
بل بسبب الحياة التي انتُزعت منهما قطعةً قطعة.
راقبهما المحامي بصمت.
ثم قال:
—لقد ترك السيد ألفونسو شيئًا آخر.
أخرج صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
بداخله كانت هناك ملاحظة حديثة، مكتوبة بخطٍ مرتعش.
“إذا كان فرناندو لا يزال الرجل الطيب الذي عرفته، فسيعرف ماذا يفعل بكل هذا. لكن لا تسمح لأي شخص استغله أن يستفيد منه مرة أخرى.”
قرأ فرناندو العبارة مرتين.
وتغير شيء في ملامحه.
لم يكن فرحًا.
بل كان وضوحًا.
للمرة الأولى منذ سنوات، وضوح.
أخذهما المحامي إلى فندق.
فندق بسيط، نظيف، دافئ.
استغرقت كارمن قرابة عشر دقائق لتقرر الدخول. كانت تخجل من أن تبلل الأرض. كانت تخجل من الوجود بعد ما جعلاهما يشعران به.
ابتسمت لها إحدى العاملات.
—لا تقلقي يا سيدتي، سأساعدك.
وكانت تلك اللفتة البسيطة كافية لتجعل كارمن تبكي مرة أخرى.
في تلك الليلة، لم يناما.
لا هي ولا فرناندو.
جلسا على السرير، وعلى أكتافهما مناشف، وفي أيديهما كوب قهوة، يستعرضان حياتهما كما لو كانا ينظران إلى منزل يحترق من بعيد.
تحدثا عن الأبناء.
عن الأول، الذي كان يطلب دائمًا المزيد.
عن الثانية، التي لا تزور إلا حين تحتاج.
عن الثالث، الذي عاش سنوات على القروض المتخفية في هيئة
عن الصغرى، التي ظلت كارمن تدافع عنها رغم أنها أغلقت الباب في وجهها.
—ربما كانوا مرتبكين —همست كارمن بألم—. ربما ملأ أحدهم قلوبهم بالسم.
نظر إليها فرناندو دون قسوة.
—لا يا كارمن. نحن من أعطيناهم السم عندما علمناهم أنهم يستطيعون كسرنا… ومع ذلك سنغفر لهم دائمًا.
في اليوم التالي، بدأ الخبر ينتشر.
ليس بسببهما.
بل بسبب تسريب لا مفر منه.
وصل المحامي إلى البيت القديم برفقة موثق واثنين من الموظفين، لاستعادة الوثائق الشخصية والعقود والأشياء ذات القيمة المعنوية التي لا تزال قانونيًا ملكًا لفرناندو وكارمن.
رأى الجيران السيارات.
ورأوا البدلات.
ورأوا الصناديق تُنقل.
وبدأوا يتحدثون.
علم الأبناء قبل الظهر.
كان أول من وصل الابن الأكبر.
جاء إلى الفندق متعرقًا، أشعث، يحمل استعجالًا مصطنعًا في صوته.
—أبي! أمي! لماذا لا تردان؟ لقد بحثنا عنكما طوال الليل!
تركه فرناندو يتحدث.
—ظننا أنكما ذهبتما إلى خالتكما —كذب—. كنا قلقين جدًا.
نظرت إليه كارمن وشعرت بشيء جديد.
ليس غضبًا.
ولا كراهية.
بل صحوة.
—لقد طردتنا تحت المطر —قالت بهدوء.
خفض الابن عينيه لحظة.
ثم رفع رأسه بوقاحة.
—أمي، لم يكن الأمر كذلك. أنتما تبالغان. فقط طلبنا منكما بعض المساحة لأيام.
ابتسم فرناندو، لكن دون فرح.
ابتسامة لم يعرفها ابنه من قبل.
—وهل كان مبالغة حين قلت إننا زائدان في البيت؟
شحب الرجل.
لم يتوقع ذاكرة.
لم يتوقع صلابة.
لم يتوقع أن الرجل العجوز الذي احتقره ينظر إليه الآن كأنه
عندما دخل المحامي، تغير سلوك الابن فورًا.
تظاهر أولًا بالحيرة.
ثم بالدهشة.
ثم بالمودة.
وأخيرًا بطاعة مفاجئة تفوح منها رائحة المصلحة.
في أقل من ساعة، وصل الآخرون.
الابنة التي تأتي دائمًا مع عطر ودموع جاهزة.
الثالث، متوترًا، يسأل عن المبلغ.