في رمضان… لماذا نهى النبي ﷺ عن التبتل بين الزوجين؟
في كل موسم من مواسم الطاعة، وخاصة في شهر رمضان المبارك، يزداد الحديث عن معنى العبادة الحقيقية، ويكثر السؤال حول حدود العلاقة بين الإنسان وربه، وحدود علاقته بشريك حياته. ومن بين المفاهيم التي يكثر حولها الجدل مصطلح "التبتل"، خاصة حين يُربط بالحياة الزوجية، أو يُفهم على أنه انقطاع كامل عن العلاقة بين الرجل وزوجته بدافع التقوى أو التفرغ للعبادة. وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر كثيرًا: ما معنى التبتل بين الرجل وزوجته؟ ولماذا نهى النبي ﷺ عن التبتل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحياة الزوجية وفي شهر رمضان تحديدًا؟
التبتل في اللغة هو الانقطاع، ويُقال تبتل إلى الله أي انقطع إليه بقلبه وتفرغ لعبادته. وهذا المعنى ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: "وتبتل إليه تبتيلا"، والمقصود به إخلاص القلب لله والانشغال به روحًا ونيةً، دون أن يعني ذلك ترك المباحات أو تعطيل الفطرة. فالتفرغ القلبي لا يساوي الانقطاع الجسدي عن متطلبات الحياة، ولا يعني تحريم ما أحلّه الله لعباده.
أما
في شهر رمضان يتجدد هذا الخلط عند بعض الناس، فيظنون أن الروحانية تقتضي الابتعاد الكامل عن الحياة الزوجية طوال الشهر، لا أثناء الصيام فقط. والحقيقة أن الشريعة فرّقت
إن الامتناع الدائم عن الزواج أو عن العلاقة الزوجية بدافع التعبد ليس من السنة، بل هو مخالفة للمنهج المتوازن الذي أراده الله لعباده. فالزواج في الإسلام ليس مجرد حاجة جسدية، بل هو سكن ورحمة ومودة، وهو إطار شرعي لحفظ النفس وصون المجتمع. وقد بيّن النبي ﷺ أن العلاقة بين الزوجين إذا كانت في الحلال وبنية صالحة يُؤجر عليها الإنسان، فقال: "وفي بضع أحدكم صدقة." وهذا الحديث يفتح أفقًا عميقًا لفهم العلاقة الزوجية على أنها جزء من العبادة إذا صلحت النية، لا عائقًا عنها.
حين يُلزم الإنسان نفسه بترك الزواج نهائيًا، أو يعتبر أن التقوى
وفي بعض المجتمعات التي شاعت فيها ثقافة الانقطاع عن الزواج بدعوى الزهد أو التفرغ للعبادة، بدأت تظهر آثار لا يمكن تجاهلها على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع. حين يتحول الزواج – وهو فطرة إنسانية وسنة نبوية – إلى خيار يُنظر إليه باعتباره أمرًا ثانويًا أو حتى عائقًا روحيًا، فإن البنية الاجتماعية تبدأ بالتصدع ببطء. تقل الروابط الأسرية، يضعف مفهوم السكن والمودة، وتزداد مشاعر العزلة الفردية، حتى وإن كانت مغطاة بشعارات دينية أو مثالية ظاهرية.
الإنسان بطبيعته ليس كائنًا روحيًا مجردًا يعيش في