تحمّلت الإهانة والمرض 40 عامًا… وحين تكلمت العجوز، سقط الجميع
كانت دونيا إينيس فيغا في الثانية والسبعين من عمرها بقلب متعب وحقيبة تفوح منها رائحة الماضي.
كانت الحقيبة قديمة سحاباتها صدئة ومقبضها مرقوع بخيط غليظ وتحمل ذلك العطر الذي لا يخطئه أحد مزيج من الكافور والورق العتيق وذكريات لا ترمى لأنها تؤلم أكثر مما تحتمل.
وصلت إلى مزرعة ابنها كما يصل المرء إلى وعد انتظره طوال حياته.
خلفت خلفها البلدة بساحتها الصغيرة وكنيستها البيضاء وأحاديثها الكبيرة التي لا تنتهي.
توقفت الشاحنة مثيرة الغبار أمام البيت جدران مطلية بالجير ورواق طويل تصطف فيه أصص الفخار ودجاجات تنبش الأرض
وعلى مسافة بعيدة بئر.
بئر عميقة.
مظلمة.
صامتة.
كعين تحدق من قلب الحقل.
خرج توماس ابنها مسرعا ما إن رآها. احتضنها بقوة رجل وبرعشة طفل.
أمي! قال بصوت مكسور لقد وصلت. هذا بيتك.
ابتسمت دونيا إينيس
إلى أن رأت المرأة الواقفة عند عتبة الباب.
كانت طويلة نحيلة شعرها مشدود برباط محكم.
شفاهها مطلية بثبات.
نظرتها جميلة نعم لكنها باردة كماء البئر قبل شروق الشمس.
كان اسمها أدريانا.
زوجة توماس منذ أربع سنوات.
حماتي قالت دون أن تتحرك سعدت بقدومك.
كانت الكلمات سليمة.
أما النبرة فجليد خالص.
في تلك الليلة حين خيم الصمت على المزرعة وغرق توماس في نوم ثقيل أرهقه العمل أغلقت دونيا إينيس باب الغرفة التي خصصت لها بحذر.
فتحت الحقيبة.
أخرجت لفافة ملفوفة بقميص قديم.
فتحتها قليلا.
وثائق مصفرة.
صكوك ملكية.
رسائل.
أختام.
حدقت فيها طويلا بحزن قديم من ذلك الحزن الذي لا يبكى بل يحمل.
ليس بعد همست لم يحن الوقت بعد.
أعادتها وخبأتها تحت الفراش في الجهة اليسرى حيث كان النابض غائرا كأنه اعتاد حمل الأسرار منذ أعوام طويلة.
لم تكن دونيا إينيس تنام جيدا.
ولم يكن قلبها السبب الوحيد.
كانت أدريانا.
لم يكن الأمر مجرد ازدراء زوجة ابن.
كان
في الصباح التالي تناول توماس فطوره على عجل وضع قبعته وخرج إلى الحقول.
استريحي يا أمي قال وهو يقبل جبينها أدريانا ستعتني بك جيدا.
أومأت دونيا إينيس.
راقبته يبتعد في الطريق الترابي
ثم سمعت خطوات خلفها.
تعالي يا حماتي قالت أدريانا وقد سقط القناع سأريك كيف تسير الأمور هنا.
قادتها إلى الجهة الخلفية من المزرعة وأشارت إلى البئر على بعد نحو ثلاثمئة متر حيث تشتد قسوة الأرض.
من هنا نأتي بالماء.
ثلاث مرات في اليوم صباحا وظهرا ومساء.
وإن قصرت فلا طعام.
اقتربت أكثر وخفضت صوتها
هنا لا يموت الناس جوعا
بل يموتون من الإرهاق.
انقبض صدر دونيا إينيس.
لكن قلبي الطبيب
اقتربت أدريانا حتى شعرت دونيا إينيس بعطرها الرخيص الحلو والعدواني.
أطباؤك لا يعنونني.
ما يعنيني هو الطاعة.
وإن فتحت فمك مع توماس ابتسمت بلا دفء سيصدقني أنا. دائما.
بحثت دونيا إينيس عن إنسانية في عينيها.
لم تجد شيئا.
لماذا تكرهينني إلى هذا الحد سألت بصوت واهن.
مر على وجه أدريانا شيء بين الخوف والغضب.
أنا أعرف تماما من تكونين.
وأنت تعرفين من أكون.
والآن اذهبي للماء. الدلاء هناك.
منذ ذلك اليوم صار البئر عقابا.
شمس تحرق الجلد.
غبار يخترق الرئتين.
ودلاء ثقيلة على جسد هرم.
كل رحلة إلى البئر كانت تسلبها جزءا من حياتها.
بعد مئة متر كانت تضطر للتوقف.
يداها ترتجفان.
ركبتاها تصرخان.
تستطيعين يا إينيس كانت تهمس لنفسها لقد مررت بما هو أقسى.
في أحد الأيام رأت الجار خلف السياج.
رجل في الستين يرتدي قبعة قش وقميصا قطنيا.
كان دون ناتشو.
صباح الخير حيته.
تردد قبل أن يجيب.
أنا ناتشو قال أخيرا انتبهي يا دونيا إينيس. انتبهي كثيرا.
ومضى سريعا
كمن يفر من حريق لا يرى.
عندها فهمت.
أدريانا كانت تحكم ما وراء ذلك البيت.
تحولت الأيام إلى روتين قاس.
دلاء.
جوع.
صمت.
وعندما يعود توماس تتبدل أدريانا
ابتسامات عذبة طعام ساخن ولمسات حانية.
أمك ارتاحت تقول كانت هادئة.
ودونيا إينيس تبتلع الحقيقة.
لأن كل محاولة للكلام كانت تخنق بنظرة تتوعد بما هو أسوأ.
ذات مساء سمعت حديثا خلف الحظيرة.
قلت لك لا تزجني في هذا قال دون ناتشو أنا لم أر شيئا.
هكذا أفضل ردت أدريانا لا ترى لا تسمع لا تتكلم.
إلى متى ستحتفظ بتلك الأوراق
حتى تقرري لكنها امرأة مسنة مريضة.
ما فعلته تلك العجوز لا ينسى.
ما فعلته تلك العجوز
في تلك اللحظة أدركت دونيا إينيس شيئا أفظع من الكراهية
أدريانا لا تريد معاقبتها
بل محو تاريخها.
وتحت الفراش كان الدليل.
في اليوم الخامس ضاعفت أدريانا العقاب خمس رحلات إلى البئر.
سقطت دونيا إينيس على ركبتيها في الغبار وقلبها يضرب بجنون.
أخرجت من مريلتها صورة قديمة شبان يقفون أمام مزرعة.
وعلى ظهرها بخط اليد
مزرعة لوس لوريليس 1982.
كل هذا الزمن همست وما زال الألم.
واصلت السير.
لأن أدريانا أرادت أن تراها مكسورة.
ميتة قبل أن تتكلم.
وذلك
لن تمنحه لها.
كانت لوس ماريا الفتاة التي تساعد في التنظيف أول من لاحظ الأمر.
سيدتي ماذا أصاب يديك
حادث يا ابنتي.
لكن لوس ماريا رأت الدلاء.
والسقوط.
وتوقفات الخوف من الإغماء.
دعيني أساعدك.
لا إن رأتك أدريانا
فلتر.
انفجرت أدريانا غضبا.
أنا الآمرة هنا!
ما تفعلينه خطأ.
توماس سيصدقني.
غادرت لوس ماريا غاضبة
لكنها عادت إلى غرفة دونيا إينيس.
سأساعدك. أعدك.
ثم جاءت العاصفة.
مطر غزير.
ريح.
وحل.
عاد توماس مبكرا مبللا حتى العظم.
حبيبتي قالت أدريانا أريد ماء ساخنا لأستحم.
الجو ماطر
فلتذهب أمك.
تردد توماس لأول مرة.
أمي في هذا الطقس لا.
هي تحب المساعدة همست أدريانا.
سمعت دونيا إينيس.
وفهمت الفخ.
خرجت تحت المطر.
كان الوحل يشدها إلى الأرض.
انتزع الهواء وشاحها.
في منتصف الطريق قال الجسد كفى.
سقطت على ظهرها.
انقلبت الدلاء.
نظرت إلى السماء السوداء.
تذكرت توماس رضيعا.
وتذكرت كل ما لم يعرفه بعد.
ليس هكذا تمتمت.
وغابت عن الوعي.
لم يكن ابنها أول من وجدها.
ومنذ ذلك الفجر في تلك المزرعة
بدأت الحقيقة تستيقظ
لكنها لم تكن بعد مستعدة لأن تقال.
وجدتها لوس ماريا عند الفجر.
كان الضوء بالكاد يتسلل إلى السماء حين رأت جسدها ممددا في الوحل مبللا ساكنا كأن الليل ابتلعها ثم لفظها بلا رحمة.
صرخت.
صرخت بكل ما في صدرها من قوة صرخة لا تطلب المساعدة بل تفرضها.
سمع دون ناتشو من أرضه. هذه المرة لم يتظاهر بالصمم.
قفز فوق السياج غير آبه بعمره ولا بألم ركبتيه. ركض كمن يسعى لسداد دين قديم.
حملا دونيا إينيس معا. كانت باردة. خفيفة. خفيفة أكثر مما ينبغي.
أدخلاها إلى المزرعة بينما كان أهل البلدة يستيقظون دون أن يعلموا أن حقيقة مدفونة على وشك أن تطفو إلى السطح.
وصل الطبيب بعد قليل. فحصها بصمت وقطب جبينه ثم قال بوضوح بلا مواربة كما يفعل أطباء القرى حين لا يريدون الكذب.
التهاب رئوي حاد قال والقلب ضعيف جدا.
إن عاشت أسبوعا فذلك معجزة.
شعر توماس كأن الأرض انشقت تحته.
لم يبرح جانبها.
دفأ يديها.
كلمها بصوت خافت كما كان يفعل عندما كان طفلا خائفا.
سامحيني يا أمي كان يهمس سامحيني لأنني لم أرك. لأنني لم أسمعك.
في اليوم الثالث طلب دون ناتشو أن يتحدث معه على انفراد.
لم يكن الأمر سهلا. ارتجف صوته لكنه قال الحقيقة.
كانوا يجبرونها على الذهاب إلى البئر قال كل يوم. مرات عديدة.
وإن لم تفعل لم تأكل.
هز توماس رأسه كأنه يريد محو الكلمات.
لا هذا مستحيل
بل ممكن رد دون ناتشو وقد حدث.
خرج توماس إلى الساحة كمن تدفعه قوة لا يفهمها. اقترب من الدلاء. حملها.
كانت المقابض متآكلة.
داكنة.
ملطخة.
دم جاف.
آثار أصابع
تحطم شيء داخله.
عاد إلى البيت بعينين متقدتين لا تشبهان عينيه اللتين اعتادت أدريانا أن تراهما كل يوم.
لم تكن تلك نظرة رجل عاد متعبا من الحقول ولا نظرة زوج