طُردتُ من زفافي لأنني “فقيرة”… وبعد دقائق اكتشفوا أن الكنيسة والقصر وكل الأرض باسمي!
كأن الكنيسة بأكملها قد تجمدت.
لم ينطق أحد بكلمة. لم يجرؤ أحد على الحركة. كان صوت حذاء ذلك الرجل يرن فوق أرضية الرخاممنتظما بطيئا ثابتاكأن الذهول والخوف اللذين لفا المكان لا يعنيانه في شيء.
توقف في منتصف الممر الرئيسي.
تسلل الضوء عبر نوافذ الزجاج الملون ليقع على كتفيه كاشفا الشيب الخفيف في شعره والبدلة الرمادية المتقنة التفصيل. لم تكن فاخرة ولم تكن استعراضية لكن هيبته وحدها كانت كافية لتخبر الجميع أنه رجل اعتاد أن يصغى إليه.
كانت دونيا ميراندا أول من استعاد توازنه.
تقدمت بخطوات سريعة وصوتها أكثر توترا من ذي قبل
سيدي نعتذر إن كان هناك سوء فهم. هذه مراسم خاصة بعائلة ديلوس رييس. إن كنتم قد أخطأتم المكان
رفع الرجل يده بهدوء لكن بحزم.
لم أخطئ.
استدار بنظره فمر على دونيا ميراندا ثم تريكسي ثم صوفيا الواقفة في المقدمة بثوب زفافها الفاخر ثم غافن الشاحب من شدة الارتباك وتوقف عندي.
لم تكن نظرته حادة ولا باردة بل كانت عميقة وثقيلة كأنه انتظر هذه اللحظة طويلا.
الآنسة إيلا.
نطق اسمي مجددا واضحا بلا تردد.
شعرت بأن ركبتي توشكان على الانهيار.
أ أنا هنا.
خرج صوتي شبه هامس ولم أعد أعلم إن كان أحد قد سمعه.
اقترب الرجل نحوي. ومع كل خطوة يخطوها باتجاهي كان الهواء في الكنيسة يزداد ثقلا.
تجهم وجه دونيا ميراندا.
تناديها ب آنسة
نظر إليها الرجل بهدوء.
نعم.
إنها مجرد
المالكة القانونية للأرض التي تقوم عليها هذه الكنيسة.
كان وقع الجملة كالصاعقة.
تعالت الهمسات في صفوف المقاعد. تراجعت صوفيا خطوة إلى الخلف. بقيت تريكسي مشدوهة. أما غافن فكان يحدق بي تتصارع في عينيه الحيرة والخوف.
إيلا ماذا يعني هذا
لم أكن أعرف كيف أجيب.
أخرج الرجل من حقيبته ملفا فتحه وتكلم بنبرة من يقرأ حكما نهائيا
قبل ثمانية عشر عاما أنشئ صندوق ائتماني باسم طفلة يتيمة. هذا الصندوق يملك عدة ممتلكات من بينها هذه الأرض. وقد عين وصي لإدارة تلك الممتلكات إلى أن تبلغ الطفلة الخامسة والعشرين من عمرها.
نظر إلي مباشرة.
أنت تلك الطفلة إيلا.
اختفى كل صوت.
شعرت بانقباض صدري.
هذا غير ممكن لقد نشأت في دار أيتام لا أعلم شيئا عن
أفهم ذلك.
أومأ برأسه بخفة.
كان هذا شرط مؤسسة الصندوق.
حاولت دونيا ميراندا أن ترسم ابتسامة متكلفة.
أهذا مزاح كيف ليتيمة أن
سيدتي ميراندا
انخفض صوت الرجل وازداد صرامة.
زوجك الراحل وقع عقد استئجار هذه الأرض قبل عشرين عاما. والعقد واضح حق استخدام فقط لا ملكية.
شحب وجه دونيا ميراندا.
لكننا جددنا العقد
نعم قمتم بالتجديد. ولكن قبل ثلاثة أشهر حين بلغت الآنسة إيلا الخامسة والعشرين انتقلت إليها كامل الحقوق القانونية.
ثم التفت إلي.
وقد اخترت عدم التجديد.
حدقت فيه طويلا وكأن الكلمات التي قالها لم تصل بعد إلى
لم أوقع على شيء
بل وقعت.
قالها بهدوء لا يحتمل الجدل ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ليست ابتسامة انتصار بل ابتسامة من يعرف الحقيقة منذ زمن وينتظر اللحظة المناسبة لكشفها.
قبل خمسة أشهر بصفتك المساعدة التنفيذية وقعت على مستندات إعادة هيكلة الصندوق الائتماني. كان ذلك ضمن حزمة طويلة من الأوراق صيغت بلغة قانونية معقدة ووضعت بين عشرات الصفحات التي اعتدت توقيعها يوميا دون أن يخطر ببالك أن اسمك ليس مجرد اسم موظفة بل اسم المالكة الفعلية.
تدفقت الذكريات إلى رأسي دفعة واحدة.
الملف السميك الذي بقي على مكتبي أياما.
الأوراق الكثيرة التي راجعتها بعين متعبة في ساعة متأخرة من الليل.
التواقيع التي وضعتها بثقة شخص يظن أنه يحمي شركة لا حياة كاملة.
وقعت حينها كممثلة قانونية تابع الرجل بصوت ثابت.
أما اليوم فأنت توقعين بصفتك المالكة الوحيدة.
ثم مد يده ووضع في راحة كفي مفتاحا.
كان باردا.
ثقيلا.
كأنه يحمل وزن سنوات كاملة من الغياب والانتظار.
القصر الواقع خلف الكنيسة وكل الأرض المحيطة به كلها أصبحت ملكك رسميا بلا شريك بلا وصي وبلا أي التزام تجاه عائلة ديلوس رييس.
انبعث نشيج مكتوم من أحد المقاعد الخلفية.
كانت صوفيا.
ارتجف جسدها وارتدت خطوة إلى الوراء وكأن الأرض سحبت من تحت قدميها.
لا هذا مستحيل هذا كذب
لم يجبها أحد.
التفتت دونيا ميراندا إلى
كان وجهها الذي اعتاد الجميع رؤيته متماسكا صارما متشققا الآن بالذعر. لم تعد تلك السيدة التي تتحكم بالمشهد بل أما ترى عالمها ينهار أمام عينيها.
قل شيئا!
هل كنت تعلم
هل أخفيت هذا عني
كانت كلماتها تتساقط متلاحقة حادة كأنها تحاول أن تمسك بالحقيقة قبل أن تهرب منها نهائيا.
هز غافن رأسه ببطء شديد كمن يحمل ثقلا أكبر من جسده. بدا وكأنه فقد فجأة القدرة على الوقوف أو حتى على الدفاع عن نفسه.
لا
أقسم أنني لم أكن أعلم
إيلا لم تخبرني بشيء
كان صوته واهنا مكسورا لا يشبه صوت الرجل الذي وقف قبل ساعات أمام المذبح مستعدا للزواج من امرأة أخرى وكأنني لم أكن موجودة.
نظرت إليه.
وللمرة الأولى منذ عرفته لم أر فيه الرجل القوي ولا الوريث الذي يخشاه مجلس الإدارة ولا المدير التنفيذي الذي يصفق له الجميع في المؤتمرات.
رأيته صغيرا.
مترددا.
إنسانا اختار الصمت حين كان عليه أن يختارني.
إنسانا ترك الأمور تسير كما أرادتها والدته ثم وقف الآن مذهولا من النتيجة.
عاد الرجل للكلام بنبرة رسمية صارمة وكأن كل هذا الانهيار الإنساني لا يعنيه شيئا أمام نص القانون.
وبحسب الإشعار الرسمي فإن عقد استخدام الأرض الموقع باسم عائلة ديلوس رييس قد انتهى سريانه اعتبارا من هذا اليوم.
أمامكم ثلاثون يوما لإخلاء المكان وتسليم المفاتيح كاملة دون أي
كان الحكم واضحا قاطعا لا يقبل النقاش.
لا يمكنكم فعل هذا!
صرخت دونيا ميراندا