اتهمها بالسرقة أمام الجميع… لكن الحقيقة خرجت من فم ابنه وقلبت المحكمة رأسًا على عقب
تحت ظلال أشجار البلوط العملاقة التي كانت تحرس مدخل قصر عائلة فيالبا كانت روزاريو قد أودعت عمرها كله. لم يكن ذلك المكان مجرد منزل بل كان صرحا للفخامة متاهة من الرخام والمخمل حيث خدمت بيديها المتشققتين ومريلتها التي لا تشوبها شائبة لأكثر من خمسة وعشرين عاما. لم يكن لروزاريو أبناء بحسب ما يذكره سجل هويتها أو هكذا تقول الأوراق على الأقل غير أن قلبها كان يعرف حقيقة أخرى أليخاندرو الشاب الوريث الوحيد لتلك الثروة كان يشغل ذلك الموضع المقدس في روحها. حملته بين ذراعيها وهو ما يزال رضيعا ورديا كثير البكاء وهدأت روعه في ليالي العواصف حين كان والداه يسافران لأعمالهما وضمدت ركبتيه المجروحتين بصبر قديسة.
كان دون إرنستو فيالبا رب الأسرة رجل أعمال لا يرحم من أولئك الذين ينظرون إلى العالم من خلال جداول الحسابات ويقدرون الناس بقدر ما يقدمونه من منفعة. بالنسبة إليه لم تكن روزاريو سوى قطعة أثاث أخرى فعالة وصامتة ضرورية فقط كي تعمل آلة حياته المثالية بلا ضجيج. لم يكن صباح الخير يخرج من فمه إلا كأمر ولا شكرا إلا كزلة عابرة. ومع ذلك لم تكن روزاريو تخدم طلبا للاعتراف بل حبا لذلك الطفل الذي أصبح اليوم رجلا في الثامنة والعشرين من عمره يعيش في
كانت حياة روزاريو اليومية لا تعرف الانكسار. تنهض قبل أن يجرؤ الفجر على الظهور تحضر القهوة بالحرارة التي يفضلها السيد تماما وتلمع كل سطح حتى يبرق كالمرآة. غير أن ذلك الثلاثاء لم يكن يوما عاديا. كان الهواء مثقلا بكهرباء خفية بثقل شعرت به روزاريو في عظامها منذ أن خرجت من غرفتها الصغيرة في جناح الخدمة.
كان دون إرنستو متوترا طوال الأسبوع يتلقى مكالمات خلف الأبواب المغلقة يصرخ في وجه محاميه ويفرط في الشرب. وفي تلك الصبيحة انفجرت الفوضى. دوى صراخ مروع من المكتب الرئيسي فاهتزت الثريات. اندفعت روزاريو وقلبها يكاد يقفز من صدرها خشية أن يكون قد أصيب بجلطة أو حادث. لكن ما رأته كان دون إرنستو محمر الوجه من شدة الغضب يقلب أدراج مكتبه المصنوع من خشب الماهوغني فتتطاير الأوراق والأغراض في كل اتجاه.
صرخ بها حين رآها واقفة عند العتبة ترتجف لصة! كنت أعلم أنك أنت! تبا لك بعد كل هذه السنين!
رمشت روزاريو مذهولة عاجزة عن استيعاب الكلمات وقالت بصوت مرتجف سيدي عم تتحدث
اندفع نحوها بغضب جعلها تتراجع
قالت وهي تكاد تبكي سيدي أقسم بالله لم ألمس شيئا من متعلقاتك قط. لقد نظفت هذا المكتب ألف مرة
قاطعها وهو يضرب الطاولة بقبضته اصمتي! أنت مطرودة. وليس هذا فحسب بل سأحرص على أن تتعفني في السجن. هل ظننت أني لن أكتشف الأمر لأنك عجوز عديمة الفائدة سأتصل بالشرطة حالا!
تطورت الكابوس بسرعة مذهلة. خلال دقائق كانت صفارات الشرطة تعوي عند المدخل. روزاريو التي لم تتلق في حياتها حتى مخالفة سير وجدت نفسها محاطة بضباط ينظرون إليها بعين الشك بينما كان دون إرنستو وقد استعاد برودة القرش يروي قصة عن ثقة خانتها خادمته وسرقة ممنهجة. لم تكن هناك أدلة بل كلمة رجل نافذ في مواجهة كلمة عاملة منزل. وفي ذلك العالم كانت كلمة المال هي الأثقل وزنا.
أخرجت من البيت مقيدة اليدين تحت أنظار الجيران الفضولية وموظفي الخدمة الذين لم يجرؤوا على التدخل. لم تبك روزاريو بسبب الأصفاد التي آلمت معصميها ولا خوفا من الزنزانة بل لأن الرجل الذي خدمته نصف عمرها كان ينظر إليها بازدراء مطلق كأنها قمامة. غير أن
مرت الأيام التالية كضباب من القلق. من دون مال لدفع كفالة باهظة قضت روزاريو لياليها في زنزانة باردة رطبة بين غرباء. وحين أفرج عنها بانتظار المحاكمة وجدت نفسها وحيدة. لم يرد أصدقاؤها من الخدم أن يورطوا أنفسهم مع آل فيالبا. لم تكن لديها مدخرات تذكر كانت ترسل كل ما تكسبه لأختها المريضة في القرية. أما المحامي المكلف من الدولة فكان شابا قليل الخبرة غارقا في الإرباك لم يكلف نفسه حتى عناء النظر في عينيها حين اقترح عليها أن تعترف بالذنب لتخفيف الحكم.
قال لها وهو ينظر إلى ساعته على عجل يا سيدتي كلمتك في مواجهة كلمة أحد أكثر رجال البلاد نفوذا. لا فرصة لنا.
همست روزاريو بما تبقى لها من كرامة لكني لم أفعلها. لن أكذب وأقول إني لصة. أفضل أن أموت في السجن مع حقيقتي على أن أعيش حرة مع كذبة.
حل يوم المحاكمة ثقيلا كشاهدة قبر. دخلت روزاريو قاعة المحكمة بملابس استعارتها من جارة طيبة تشعر بصغرها وهشاشتها. وعلى الجانب الآخر كان دون إرنستو أنيقا في بدلته الإيطالية محاطا بفريق قانوني يكلف أكثر مما ستجنيه روزاريو في عشر حيوات. بدا القاضي بوجهه الصارم متبرما