لم تكن خادمة… كانت خلاصه الأخير قصة حب صامتة هزمت المال والموت
كان يتكلم أقل لكن صمته كان يداوي ما تعجز الكلمات عن شفائه. في كل صباح كانت تأتيه بكوب من الشاي ومعه دون أن تدري قدرا من السكينة. كان يراقب حركتها في أرجاء القصر خفيفة الخطو رقيقة الإيماءة غافلة تماما عن عينيه المعلقتين بها. لم يكن ما يختلج في صدره رغبة بل امتنانا خالصا عميقا ونقيا. غير أن شيئا ما تبدل في تلك الليلة بينما كانت الأمطار تهمس خلف النوافذ كأنها تستدعي اعترافا طال كتمه.
لم يستطع حبس دموعه ولا الحقيقة المدفونة في أعماقه منذ أعوام. وحين اقتربت لتواسيه ارتجف صوته وهو يهمس
أنا بحاجة إلى الحب.
ثم قال بصوت مبحوح وعيناه تلمعان
لا تتحركي.
تجمدت الخادمة في مكانها لا خوفا بل دهشة خالصة ففي تلك اللحظة لم يكن الرجل الثري سيدا متسلطا بل روحا محطمة وكانت هي الخادمة تملك القدرة على مداواته أو تحطيمه إلى الأبد. وما حدث بعد ذلك تجاوز كل الحكايات الممنوعة التي لم ترو قط. انكشفت حقيقة لم يكن أي قلب مهيأ لتحملها. امتزج الحب بالألم والتضحية بالفقد وتلاقى كل ذلك في ليلة واحدة. ومع بزوغ الفجر لم يعد القصر كما كان. كانت الثريا تتلألأ في سقف القاعة الكبرى لكن قلبه ظل مطفأ في أعماقه.
كان آرثر يعيش في صمت ثقيل حيث
كان اسمها غريس. بسيطة لطيفة تنتمي إلى طبقة اجتماعية أدنى بكثير من عالمه. انحنت تحيته بصمت وفي عينيها قوة متواضعة. في البداية بالكاد لاحظ وجودها غارقا في ذكرياته لكن القدر كان يعمل في الخفاء كما تعمل أشعة الشمس بين الغيوم. يوما بعد يوم راحت غريس تمسح الغبار عن عالمه الذهبي الموحش.
كانت تتحدث بلطف مع البستاني وتضحك بهدوء مع الطاهية. وبدأ آرثر يرى انعكاسه في إطارات الصور الفضية الباهتة. لم يكن يدرك سبب تسارع نبضه كلما ابتسمت وهي تعتني به. صارت صباحاته الباردة تشعر بشيء من الدفء. وتساءل في سره هل يمكن للطيبة أن تشفي جرحا فالمال لم يفعل.
لم يعد القصر يبدو خاليا بل نابضا بحركة صامتة. وللمرة الأولى منذ زمن بعيد صار آرثر يتوق إلى يوم جديد. لم يكن الحب قد وصل
إن السيد العجوز يتغير.
لم يكن أحد يعلم أن عاصفة من المشاعر بدأت تتكون في الخفاء. فمع كل صمت تتركه غريس خلفها كان الحب يحتل مكانه سرا وكان القدر ينتظر عند المنعطف مستعدا لقلب الصفحة.
كانت غريس تعيش بتواضع بعينين خافضتين وقلب مطمئن. سبق لها أن رأت القسوة من قبل في وجوه أكثر وسامة من وجهها. لكن آرثر كان مختلفا خلف عبوسه كانت تختبئ حزن عميق. لم يكن يكثر الكلام يكتفي بابتسامة خاطفة. كان زيها يفوح برائحة الصابون وأصابعها متشققة من العمل. كل خطوة تخطوها في ذلك القصر كانت صلاة للبقاء. ولاحظت أن آرثر لم يصرخ أبدا حين تكون قريبة.
أحيانا كانت تسقط الملعقة عمدا فقط لتسمعه يقول لا بأس. وكان الهواء بينهما يلين مشبعا بشيء لا يسمى. كان يسألها عن حياتها فتهمس لا شيء يذكر. لكن عينيها كانتا تحكيان قصص كفاح وأحلام دفنت في سن مبكرة. وكان يعجب بصمتها بقوتها المغلفة بأدب رقيق.
في إحدى الأمسيات وجدته يبكي فوق صورة قديمة. دون أن تنطق قدمت له منديلا. رفع رأسه المرتجف فلم ير خادمة بل روحا تسنده. تلك الليلة لم يستطع النوم. كان وجهها يطارده. أكان ما يشعر به مودة أم هلع رجل رآه أحد
كان كل لحظة بقربه خطرة لكنها في الوقت ذاته ذات طهارة موجعة. كانت جدران القصر تهمس بأسرار لا تستطيع إخفاءها. روحان إحداهما ثرية والأخرى فقيرة بدأتا تحتاجان بعضهما بصمت. وفي تلك الحاجة الصامتة ولد رابط هش. كان الحب يسير على أطراف أصابعه في ممرات الرخام خائفا من أن يكتشف واقتربت القلوب في الليل برفق دون أن تنطق بما يختلج فيها.
كانت الأمطار تنهمر كدموع على الزجاج بينما كان الرعد يسكت المدينة. جلس آرثر قرب النافذة يتأمل ظلال ماضيه. دخلت غريس تحمل شمعة وكان صوتها ألين من المطر
سيدي عليك أن ترتاح.
أدار كرسيه نحوها وعيناه مثقلتان بالذكريات.
غريس همس.
ثم سأل بصوت مرتجف
هل تظنين أن الحب قادر على شفاء ما تحطم
لم تعرف كيف تجيب.
أظن أن الطيبة تفعل قالت بخفوت وهي تضع كوب الشاي قربه.
أمسك يدها لا بشهوة بل بيأس. وفي صباح اليوم التالي كان القصر أبرد من قبر. كانت غرفة غريس فارغة.
كان زيها مطويا بعناية فوق الكرسي كما لو أنها لم تغادر إلا لتعود بعد قليل. أخذ آرثر يتنقل بكرسيه المتحرك بين الممرات ينادي اسمها بصوت متهدج كأن ترداده قد يعيدها.