من طفلة منبوذة إلى امرأة غيّرت مصير من حولها
كانت الأمطار تهطل بعنف والرياح تعصف بقسوة في تلك الليلة داخل مزرعة صغيرة في أعالي جبال غيريرو. السماء كانت سوداء كثيفة كأنها انغلقت على الأرض ولم يكن يسمع في الأرجاء سوى صرير الصفائح المعدنية وصوت المطر وهو يجلد السقف الخشبي الهش.
في تلك الليلة ولدت طفلة.
داخل كوخ صغير من الخشب والصفائح لم تسمع زغاريد ولا ضحكات ولا دعوات بالبركة. لم يكن هناك فرح بل صرخات رعب وذهول ووجوه شاحبة لا تعرف ماذا تفعل بما رأت.
كادت ماريا الأم تغمى عليها حين وقعت عيناها على رضيعتها. ارتجف جسدها وتشبثت بحافة السرير الخشبي وكأن الأرض مالت فجأة تحت قدميها.
ولدت الطفلة وهي تعاني من شق شديد في الشفة والحنك وبقعة سوداء كبيرة تغطي جزءا من وجهها الصغير وتشوه في الظهر جعل هيئتها تبدو منحنية على نحو مؤلم.
صرخ أوسيبيو الأب وقد فقد السيطرة على نفسه
ما هذا! لماذا خرجت هكذا! في عائلتي الجميع جميلون! من أين جاء هذا هذا الكائن!
لم يكن صوته صوت أب فوجئ بل صوت رجل خائف من نظرات الناس من كلام القرى من الأساطير التي نشأ عليها. كان يرى في الطفلة نذير شؤم لا روحا بريئة.
مدفوعين بالخوف مما سيقوله الآخرون وبخرافات قديمة عن سوء الطالع واللعنات اتخذ الزوجان قرارا لا رجعة
لفا الطفلة حديثة الولادة في كيس قديم مهترئ.
وفي قلب العاصفة حملها أوسيبيو وخرج من الكوخ. المطر كان يضرب وجهه بقسوة والطين يلتصق بحذائه لكن قلبه كان أصلب من كل ذلك. سار حتى ضفة نهر متدفق مياهه هائجة بسبب الأمطار.
وقف هناك لحظة.
نظر إلى الكيس.
همس بصوت خافت لا يخلو من خوف أكثر منه ندما
سامحيني لا نستطيع تربيتك. لن تجلبي لنا سوى المصائب.
ثم وضع الكيس بين الوحل والحجارة واستدار عائدا دون أن يلتفت.
عاد الزوجان إلى المنزل وقالا للجميع إن الطفلة ولدت ميتة. أغلقت القصة ودفنت في الصمت.
لكن لم يكن ذلك نهاية الحكاية.
فلله دائما تدبير آخر.
مر في ذلك المكان رجل مسن يعمل في جمع الخردة يدعى دون إيلاريو. كان يبحث بين ما جرفته المياه من خشب ومعدن. وبين هدير المطر التقط أذنه صوتا غريبا بكاء ضعيفا بالكاد يسمع.
توقف. أنصت. ثم ركض.
فتح الكيس بيدين مرتجفتين فوجد الطفلة.
لم يصرخ.
لم يتراجع.
لم ير وحشا كما رآها غيره.
رأى طفلا.
احتضنها إلى صدره ولفها بمعطفه البالي وهمس
مسكينة يا ملاكي الصغير. أنت الآن في أمان.
سماها أنخيلا.
كبرت أنخيلا مع دون إيلاريو في بيت متواضع بحي إيستابالابا في مدينة مكسيكو. كان البيت صغيرا لكن قلب
كانت الحياة قاسية. كان الأطفال في الشارع يسخرون منها يشيرون إليها ويصرخون
وحش!
قبيحة!
ساحرة!
كانت تعود إلى البيت باكية تخبئ وجهها في صدره فيمسح دموعها ويقول بهدوء
يا ابنتي لا تصدقي ذلك. الجمال الحقيقي في القلب. أنت طيبة وذكية وسيأتي يوم يندهش فيه الجميع منك.
وكان محقا.
رغم صعوبة النطق بسبب حالتها كانت أنخيلا مجتهدة ذكية لا تستسلم. كانت الأولى في صفها دائما. لفت ذكاؤها نظر مبشرة أمريكية زارت الحي. تأثرت بقصتها وتكفلت بإرسالها بمنحة دراسية إلى الولايات المتحدة حيث ستخضع لعمليات جراحية ترميمية وتلقي تعليما متقدما.
كان الوداع قاسيا.
بكت أنخيلا وقالت
سأعود لأجلك يا أبي إيلاريو سأخرجك من الفقر أعدك.
ابتسم الرجل العجوز ودموعه تخونه
سأنتظرك هنا يا ابنتي. اذهبي وتألقي.
في الولايات المتحدة تغير كل شيء. خضعت أنخيلا لعمليات جراحية متتالية. تعلمت. نضجت. تغير شكلها لكن قلبها بقي كما هو. أصبحت تعرف باسم أنخيليكا ستون. لم تكن جميلة فحسب بل ذكية واثقة طموحة. صعدت بسرعة وأصبحت مصممة أزياء معروفة ثم مؤسسة ورئيسة تنفيذية لمؤسسة إنسانية عالمية.
كانت ثرية قوية لكنها لم تنس وعدها.
عادت إلى المكسيك بحثا
لكنها وصلت متأخرة خمس سنوات.
بكته كما تبكي الابنة أباها الحقيقي.
لتكريمه نظمت بعثة طبية وإنسانية كبرى في غيريرو. آلاف الفقراء اصطفوا في طوابير طويلة. وفي نهاية الصف وقف رجل وامرأة عجوزان أنهكهما الزمن.
أوسيبيو وماريا.
وعندما وقفا أمامها ونظرت إليهما عرفت.
وهنا بدأ الحساب.
وقفت أنخيليكا خلف الطاولة الطويلة في صالة الرياضة البلدية وقد أعيد ترتيب المكان بعناية لاستقبال المئات من المحتاجين. كانت الأضواء البيضاء القوية تسقط على الوجوه المتعبة وتنعكس على أرضية الصالة الملساء. في الهواء اختلطت رائحة المطهرات بأصوات الهمسات والدعاء وكانت القلوب معلقة بالأمل ولو ليوم واحد.
كانت أنخيليكا ترتدي فستانا أبيض بسيطا يخلو من المبالغة ينسدل بهدوء على قامتها. لم يكن البياض زينة بل رسالة. وحولها وقف عدد من الأطباء والمتطوعين فيما انتشر أفراد الحراسة على مسافة يراقبون دون تدخل.
تقدم الناس واحدا تلو الآخر. كانت تنظر إلى كل وجه تنصت لكل قصة وتبتسم حين تستطيع وتخفض بصرها حين تعجز الكلمات. كانت تعرف أن المال لا يعيد الأعمار لكنه قد يخفف ثقلها.
وعند آخر الصف وقف زوجان عجوزان بدت عليهما آثار السنوات القاسية. ملابس رثة أكتاف منحنية