رأى مليونيرٌ ابنَ خادمته، فلاحظ أنّ الصبيّ يشبهه كثيرًا. وحين نطق الطفل قائلًا: "بابا!" في تلك اللحظة تحديدًا… انهار عالمه المثالي كله.
رأى مليونير ابن خادمته فلاحظ أن الصبي يشبهه كثيرا. وحين نطق الطفل قائلا بابا! في تلك اللحظة تحديدا انهار عالمه المثالي كله.
كان ألكسندر روزنفيلد يظن أن حياته مرسومة بإتقان كلوحة فاخرة لا يجرؤ أحد على لمسها. رجل أعمال ناجح ثروة هائلة زواج منسجم ظاهريا عالم صلب لا تهتز أركانه. لكن ذلك اليوم تحديدا انكشف له صدع خفي لم يكن يتخيله.
عاد مبكرا على غير عادته وقد أثقله الملل من اجتماع استهلك صبره. كان يتوق إلى العزلة إلى لحظات صامتة يخلع فيها ثقل العالم عن كتفيه يضع أقدامه على الطاولة ويحتسي كأسا يطفئ صخب الأرقام والمشاريع والمواعيد. أراد فقط أن يكون رجلا عاديا لبعض الوقت.
اختار الدخول من الممر الجانبي هربا من أسئلة الخدم وعيونهم التي لا تتوقف عن الترقب. وما إن خطا بضع خطوات حتى تجمد مكانه.
في الحديقة الخلفية عند طرف المسبح جلس طفل صغير يلعب وحده. ضوء الشمس كان ينساب فوق رأسه الصغير فيكشف شعرا داكنا مألوفا ولم يكن في المشهد ما يثير الانتباه لولا أن شبها غريبا ضرب قلب ألكسندر بقسوة.
الصبي كان يشبهه.
لا شبها عابرا يمكن تجاهله بل شبها يصرخ. الشعر نفسه لون البشرة التجعيدة الخفيفة فوق الحاجب الأيسر وحتى الابتسامة ذاتها التي كان ألكسندر يتذكرها من صورة قديمة له في طفولته.
وقف الطفل مسح يديه على سرواله القصير ونظر إليه بثبات يفوق عمره. تبادلا النظرات لثوان كأن الزمن توقف بينهما ثم اندفع الصغير نحوه بذراعين مفتوحتين وصوت صاف قال بكل ثقة وبساطة
بابا!
كانت الكلمة كصفعة. كضربة في صدره دوت في عقله قبل قلبه. تراجع خطوة دون أن يشعر كأن الأرض صارت أقل استقرارا تحت قدميه.
توقف الطفل أمامه ما
أنت أبي قالها ببطء وكأنه يعيد اختبار العالم من حوله.
التفت ألكسندر حوله يبحث عن منطق عن شاهد عن أي تفسير. لكن الصمت كان يخيم على القصر. لا أحد. لا خادمة لا خطوات لا حركة سوى النسيم الخفيف الذي يحرك أوراق الشجر.
سأله بصوت خرج خافتا رغما عنه
ما اسمك
أجاب الطفل ببراءة
ميغيل. أمي تعمل هنا. قالت لي ألعب في الحديقة.
اسم الطفل لم يوقظ شيئا في ذاكرته لكنه وخزه بطريقة ما. عرف أن الخادمة الجديدةروزالديها طفل لكنه لم يهتم يوما بلقائه أو حتى بسماع اسمه.
وأين هي الآن سأل.
في الداخل في المطبخ.
بدا أن ابتسامة ميغيل أخذت تتلاشى شيئا فشيئا كأن حدس الأطفال أبلغه بأن شيئا ما ليس على ما يرام.
ربما أنت لست أبي قالها هامسا.
لم يجب ألكسندر. لم يستطع. كان الصمت أثقل من أي كلمة.
ابتعد بخطوات متشنجة إلى داخل القصر أغلق باب الزجاج خلفه واتجه إلى مكتبه حيث أسند جبينه إلى الخشب البارد. حاول أن يلتقط نفسه أن يستجمع أفكاره لكن رأسه كان كغرفة مظلمة تتردد فيها أصداء الكلمة الواحدة
بابا.
لم يستطع الهروب من الذاكرة التي باغتته بلا رحمة. تلك الليلة قبل ست سنوات الليلة التي تغير بعدها كل شيء. كان قد عاد يومها منهكا بعد حفل الشركة يكاد ينهار من التعب والحمى التي داهمته فجأة. زوجته روزا التي كانت ما تزال زوجته آنذاك كانت تعمل في المنزل وتشرف على شؤونه اليومية رغم بساطة دورها.
يتذكر وجودها بجواره يتذكر كيف أمسكت بذراعه عندما كاد يفقد وعيه وكيف ساعدته على الوصول إلى غرفته وكيف بقيت قربه حتى هدأ أنينه. يتذكر ضوء المصباح
فتح الباب ببطء. كانت روزا تقف في المطبخ ممسكة بفوطة مبللة ووجهها شاحب.
روزا قال بصوت متماسك ظاهريا فقط.
ابنك هل يناديني عادة أبي
لم يجب وجهها بل أجابت عيناها المرعوبتان قبل لسانها.
ترددت لحظةلحظة فقطلكنها كانت طويلة بما يكفي ليقرأ الحقيقة.
الأطفال يتخيلون أحيانا يا سيد ألكسندر يشاهد الكثير من الرسوم قالت وهي تخفض رأسها.
روزا انظري إلي.
رفعت نظرها مرتجفة.
هل هو ابني
الصمت كان اعترافا واضحا. لم تحتمل المواجهة فاستدارت وغادرت بخطوات هاربة تاركة وراءها فوضى من الأسئلة التي لم تعد تحتاج لإجابات.
وسقط العالم الذي بناه ألكسندر قطعة وراء قطعة.
جلس في مكتبه لفترة لا يعلم مدتها يحدق في الفراغ. الصورة نفسها تتكرر ميغيل يركض نحوه يفتح ذراعيه يقول بابا.
كان الصوت يتردد داخله كصدى في غرفة مغلقة.
وقف أمام المرآة يتأمل وجهه. فتح الكاميرا الأمامية يقارن ملامحه بملامح الصبي. يحاول أن يرى الحقيقة لا أن يشعر بها فقط. وكل تفصيلة وجدها كانت تزيد ثقله.
كان يحاول التفكير ماذا عن هيلينا زوجته ماذا عن سمعته عن الشركة عن ميراث العائلة
لكن قلبه كان عالقا في مكان واحد في الحديقة مع الطفل الذي لا يملك ذنبا.
كان يرتجف رغم ثبات جسده وخوف غير مألوف يزحف إلى صدره. خوف من الحقيقة ومن نفسه.
كانت هذه أول مرة منذ وفاة والده يشعر بالعجز ذاته بالضياع ذاته.
قرر مواجهة روزا من جديد لكنه عندما ناداها لم تجب. يبدو أنها غادرت
عاد إلى غرفة الجلوس جلس على الأريكة فتح التلفاز لكن الصور تتحرك بلا معنى.
لم يعد يرى شيئا
كانت الصور تتقافز أمام عينيه كما لو كانت شرائط ضوئية تومض بلا معنى تمر ثم تختفي قبل أن يلتقطها عقله أو يربط بينها. كان ذهنه شاردا في عالم آخر تماما تتنازعه أسئلة كثيرة وذكريات باهتة تحاول أن تستعيد شكلها. ومع كل محاولة كان يشعر أن شيئا ما يخفي الحقيقة خلف ستار كثيف.
والآن الآن فقط كان يدرك أن هذه المرأة الهادئة ربما كانت تحمل أكبر سر في حياته سرا مر بجانبه لسنوات وهو لا يراه.
دوى صوت فتح الباب فانتفض قلبه.
كانت هيلينا قد وصلت. نادته بمرح من المدخل
حبيبي! وصلت.
مسح ألكسندر يده في بنطاله محاولا أن يبدو طبيعيا رغم أن كل شيء بدا بعيدا عن الطبيعي.
أنا هنا في غرفة الجلوس.
ظهرت وهي تحمل كيسا صغيرا واتجهت مباشرة إلى المطبخ وهي تتحدث بلا توقف عن ازدحام الطريق وعن النادي الرياضي وعن حفل ما يوم السبت. كان يسمع كلماتها ولا يسمعها في الوقت ذاته. يجيبها ب نعم و أمم كأنه آلة ترد تلقائيا بلا روح.
كان موجودا في المكان لكنه لم يكن حاضرا فيه.
هيلينا لم تنتبه لشروده فقد كانت معتادة عليه.
وحين صعدت إلى غرفة النوم اغتنم الفرصة وخرج إلى الفناء الخلفي. المكان الذي كان فيه ميغيل ما يزال يحمل أثرا منه وكأن وجوده يعلق في الهواء.
رأى سيارة اللعب الصغيرة ملقاة بجانب العشب. انحنى والتقطها. كانت سيارة حمراء بسيطة مكسورة العجلة لا قيمة لها في الظاهر لكنها أثقل من قطعة حديد. أثقل بمعنى لا يعرفه لكنه يشعر به في عمقه.
وضع السيارة في جيب سترته بلا تخطيط ووقف هناك ينظر