القرية سخرت منها عشر سنوات لكن وقوف الأب أمام باب بيتها غيّر كل شيء
سكتت القرية كلها وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة حتى أوراق الشجر التي كانت تتمايل منذ لحظات توقفت وكأنها تخشى أن تصدر صوتا يفسد تلك اللحظة الحاسمة.
كان صمتا أثقل من الكلام صمتا يشعر كل واحد في القرية بأنه يقف شاهدا على حدث أكبر من فضولهم كله حدث سيغير شيئا في هذه الحارات الضيقة التي عاشت لسنوات على الهمس والسخرية.
وقفت إلينا ثابتة رغم أن قلبها لم يكن ثابتا على الإطلاق.
شعرت أن ركبتيها على وشك السقوط وأن العالم بدأ يدور لكن يد جيمي الصغيرة التي أمسكت بطرف ثوبها أعادتها إلى الأرض.
كانت تلك اليد الصغيرة هي الشيء الوحيد الذي يذكرها بأنها ما زالت هنا وأنها يجب أن تكون قوية.
تقدم أدريان خطوة أخرىثم توقف وكأنه يخاف أن تبتعد إن اقترب كثيرا.
كانت المسافة صغيرة بينهما لكنها كانت تمثل عشر سنوات من الضياع والوجع والأمل الغارق.
رفع رأسه ونظر في عينيها
إلينا أنا ما صدقتش إنك حقيقية قدامي.
كنت فاكر أني لو لقيتك يوما هتختفي تاني.
كانت الكلمات بسيطة لكنها جاءت من عمق رجل
رأت فيه نفس الرجل الذي وقف تحت المطر معها ولكن بعينين أكبر أكثر تعبا أكثر صدقا.
حاولت أن تتكلم لكن صوتها اختنق.
لم تخرج أي كلمة.
تدفقت الذكريات داخلها كطوفان
رحيله فجرا بحثها عنه بلا فائدة خوفها من كلام الناس ولادة طفلها وحدها ليالي الوحدة صباحات العمل دموع التعب وكل لحظة حملت فيها جيمي وحدها لأن العالم لم يترك لها خيارا آخر.
نظر أدريان إلى جيمي مرة أخرى وبدا وكأنه يجاهد ليحافظ على توازنه.
كانت ملامح الصدمة على وجهه واضحة
لم يكن بحاجة إلى سؤال فملامح الولد أجابت عنه قبل أن ينطق.
يا ابني
قالها بصوت متكسر كأنه يقول كلمة ظلت محتبسة في صدره عشر سنوات.
جيمي لم يفهم كل شيء لكنه شعر أن هناك شيئا مهما يحدث.
اقترب خطوة صغيرة بحذر ثم قال
أنت تعرف ماما
لم يستطع أدريان منع دموعه.
قال وهو ينحني على مستوى الطفل
معرفش بس مامتك
أنا عرفتها
وأنالو تسمح ليعايز أعرفك أنت كمان.
نظر إليه جيمي بفضول ثم قال
إنت بابايا
انخفض صوت العالم كله ولم يعد هناك
أجاب أدريان دون تردد
أيوه
وأنا آسف يا ابني آسف على كل يوم كنت فيه غايب.
كانت تلك اللحظة كافية لجعل أكثر أهل القرية قسوة يخفضون رؤوسهم.
الرجال الذين ضحكوا خلف ظهر إلينا
والنساء اللواتي لم يفعلن شيئا سوى إطلاق الشائعات
كلهم شعروا بأن الأرض تبتلعهم.
وبينما كانت العيون كلها مسلطة على الثلاثة قالت إحدى الجاراتوهي المرأة التي كانت أول من يلمح أن إلينا لا تعرف من هو الأب
استغفر الله إحنا ظلمناها.
لكن إلينا لم تكن تسمع شيئا.
كانت تنظر إلى أدريان للرجل الذي قلب حياتها مرتين
مرة عندما ظهر في طريق مظلم تحت المطر
ومرة أخرى عندما ظهر فجأة أمام بيتها بعدما تغير كل شيء.
قال أدريان وهو يقف
خليني أشرحلك لو سمحت.
أومأت إلينا رغم أن قلبها يرفض تصديق أي شيء بسهولة.
فالدنيا علمتها أن الوعود تكسر وأن الرجال يأتون ويرحلون وأنها وحدها التي يجب أن تحمي ابنها.
بدأ أدريان يحكي
حكى عن السيارة التي تعطلت يوم العاصفة
عن إصابته
عن انتقاله لمهمة عمل خارج البلاد
عن بحثه عنها بعد عودته وعدم العثور على أي خيط
عن ذهابه للطريق القديم كل شهر
عن الندم الذي أكل قلبه كل سنة.
بينما كان يحكي شعرت إلينا بأن شيئا داخلها يذوب.
ذلك الغضب القديم الذي عاش فيها سنوات
وهذا الشعور بأنها تركت عمدا
بدأ يتصدع.
لكنها لم تستسلم بسهولة.
كانت أما وأي أم تحمل داخلها حذرا يصعب كسره.
قالت له
ولو لقيتنا كنت هتعمل إيه
كنت هتعدل ولا كنت هتختفي تاني
تنفس أدريان ببطء ثم قال بصوت ثابت
كنت هفضل
وهو ده اللي هعمله دلوقتي.
أنا هافضل.
لم يكن ادعاء بل كان وعدا في عينين اكتسبتا حكمة السنوات.
ثم حدث شيء لم تتوقعه إلينا
شيء جعل قلبها يسقط بين ضلوعها.
أدار أدريان وجهه نحو أهل القرية الذين اعتقدوا أنهم يملكون حق الحكم عليها.
وقال بصوت مرتفع يسمعه كل من يقف على باب وعلى شرفة وخلف نافذة
إلينا أشجع امرأة قابلتها في حياتي.
ربت ابني لوحدها وتحملت قسوة أنتم صنعتوها بكلامكم.
ولو في حد هنا لازم يخجل
فهو
هو أنتم.
تجمدت الوجوه.
حتى الهواء بدا وكأنه يستمع.
ثم استدار لها وقال
خلينا