كانت تراها كل يوم بعد المدرسة تناديها: (أنا أمّك!) — لكن الحقيقة التي اكتشفتها غيّرت حياتها للأبد...
في تلك الليلة كانت السماء تمطر بهدوء والماء ينهمر على زجاج نافذة غرفة كلارا كأنه يهمس بأسرار لا تريد أن تقال.
جلست الفتاة على سريرها محتضنة وسادتها تحدق في الظلام والدموع تتجمع في عينيها دون أن تسقط.
ترددت كلمات المرأة الغريبة في ذهنها كصدى لا ينتهي
قلتلك... أنا أمك يا نجمتي.
كل شيء في عقلها كان يحاول أن يرفض التصديق لكن قلبها لم يكن يطاوعها.
من تكون ولماذا تعرف تلك الكلمة التي لم تسمعها منذ أن كانت طفلة
نجمتي الاسم الذي لم تنادها به إلين ولا مارك الاسم الذي كانت تسمعه في أحلامها أحيانا في لحن قديم لا تعرف مصدره.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين فتحت باب غرفة والديها ووقفت عند المدخل بصوت خافت
ماما بابا محتاجة أتكلم معاكم.
اعتدلت إلين في سريرها فورا بينما رفع مارك رأسه بتوتر واضح.
قالت الفتاة وهي تحبس دموعها
الست اللي كانت بتندهلي في الحديقة النهارده بتقول إنها أمي. وبتعرف اسمي القديم.
ساد صمت طويل.
لم تجب الأم بالتبني ولم يحاول الأب الإنكار.
فقط نظرات مضطربة تائهة
قالت أخيرا بنبرة حادة
يعني إيه! أنا مش بنتكم!
اقتربت منها إلين مدت يدها لتلمس كتفها لكن الفتاة تراجعت خطوة إلى الوراء.
كان الخوف في عينيها أكبر من أي شيء آخر.
قال مارك بصوت متكسر
يا حبيبتي إنت بنتنا مهما كان. إحنا ربيناك وهنفضل نحبك دايما. بس في حاجات فعلا لازم تعرفيها.
جلست كلارا على حافة الكرسي يداها ترتجفان.
قالت الأم ببطء كأنها تنتزع كل كلمة من أعماقها
من 12 سنة تبنيناك من دار رعاية أطفال. الأوراق كانت واضحة قالوا إن والدتك الحقيقية اتخلت عنك بإرادتها وإنها مش مؤهلة. صدقنا الكلام وربيناك من قلبنا. كنا فاكرين إننا بننقذك من حياة صعبة.
سكتت لحظة ثم أضافت
بس يمكن الحقيقة كانت أعقد من كده.
قبل أن تسأل كلارا المزيد دوى صوت الجرس.
ارتجف الجميع.
كانت الساعة الثالثة فجرا تقريبا.
نظرت إلين إلى مارك الذي اتجه ببطء نحو الباب.
وحين فتحه
كانت المرأة تقف هناك.
مبتلة من المطر وجهها شاحب لكن عينيها حيتان كأن فيهما نارا صغيرة
قالت بصوت مبحوح
أنا مش جاية أعمل مشكلة. بس لازم أتكلم.
وقف مارك في منتصف الباب حاجزا الطريق.
انتي لازم تمشي دلوقتي. البنت نايمة.
لكن من خلفه جاء صوت كلارا مرتعشا لكنه واضح
سيبها تدخل.
استدار الأب بدهشة ثم تنحى جانبا.
دخلت المرأة بخطوات بطيئة. كانت ملابسها ثقيلة من المطر وأصابعها الزرقاء ترتعش من البرد.
نظرت إلى إلين التي همست
ليديا بلاش تعملي كده. الموضوع خلص من زمان.
قالت الفتاة بسرعة
انتي تعرفيها!
لم تستطع الأم الرد.
لكن المرأة أجابت بهدوء مؤلم
أنا اسمي ليديا هاريس وأنا أمك الحقيقية يا كلارا.
تجمدت اللحظة.
لم يسمع أحد صوت المطر ولا أنفاسه.
الزمن نفسه توقف.
قالت كلارا بصوت يكاد يختنق
يعني إيه أمي الحقيقية يعني كل حياتي كانت كدب!
أغمضت إلين عينيها والدموع تساقطت على خديها.
ماكناش عارفين الحقيقة كلها. الورق كان واضح بس محدش قال إنك كنت في المستشفى وقتها ولا إنك دخلت في غيبوبة. لما فقت كانوا خلصوا الإجراءات.
تقدمت ليديا خطوة للأمام ونظرت إلى ابنتها بشوق لم تعرفه
قالت وهي تبكي بصوت متهدج
أنا دورت عليك سنين يا نجمتي. كل يوم كنت أروح الحديقة يمكن أشوفك. الناس كانت تقول إني مجنونة بس أنا كنت عارفة إن قلبي مش بيكذب.
اقتربت الفتاة منها ببطء ثم همست
ليه ما استسلمتيش
قالت المرأة بابتسامة مرتجفة
لأن الأم ما تعرفش تستسلم. حتى لو الدنيا كلها قالت إنها غلطانة.
جلس الجميع في صمت ثقيل.
كانت كلارا تشعر أن قلبها منقسم إلى نصفين
نصف يعيش بين ذراعي إلين التي ربتها ونصف ينجذب بقوة نحو ليديا التي ولدتها.
على مدى الأيام التالية لم تهدأ المدينة الصغيرة من الشائعات.
الناس في المدرسة بدأوا يتهامسون.
بعضهم قال إن كلارا بنت متبناة من ملجأ وبعضهم اخترع قصصا أغرب.
لكنها لم تهتم. كانت مشغولة بشيء أعمق أن تعرف من هي فعلا.
بدأت تلتقي بليديا مرتين في الأسبوع.
كانوا يجلسون في المقاهي الصغيرة أو في الحديقة نفسها التي بدأت منها القصة.
تحدثت الأم عن حياتها قبل الحادث عن أبيها الذي مات في حادث سيارة قبل أن تولد عن الفقر عن مرضها الذي جعلهم يأخذون الطفلة
كانت تخرج من حقيبتها الصغيرة