قصة أم أخذتها ابنتها إلى دار للمسنين… ولم تكن تعلم أن المكان ملكها!
أخذتني ابنتي إلى دار للمسنين.
كانت تظن أنها تتخذ قرارا من أجل مصلحتي.
لم تكن تعلم أن المكان ملكي.
وأنا في صمت تركتها تفعل ذلك.
اسمي إلينا ريفاس وعمري خمسة وسبعون عاما.
كنت يوما أملك كل شيء
زوجا كان ينظر إلي وكأنني وطنه
وعملا يمنحني شعورا بأن لي فائدة
وعائلة مليئة بالضحك وبالدموع المشتركة وبالأيام المفعمة بالحياة.
ثلاثة أبناء لكل منهم عالمه الخاص.
ثم بدأت الحياة تأخذ مني ما أحب شيئا فشيئا.
ماټ زوجي قبل عشر سنوات
بأزمة قلبية مفاجئة كصاعقة ټضرب القلب.
وبعده جاء الصمت.
ذلك الصمت الذي يتسلل إلى الجدران ويثقل الكتفين ويجعلك تشك في وجودك نفسه.
أصبحت المكالمات نادرة والزيارات أكثر ندرة.
ناتاليا ابنتي الصغرى كانت من أحببتها بحنان من يعرف أن الأحلام تحتاج إلى من يحميها.
كانت طموحة لامعة مصممة على أن تغزو العالم.
وحين غادرت لتدرس بعيدا بعت كل ما أملك من قيمة كي أساعدها على التحليق.
لم أشعر بثقل ذلك. فحب الأم لا يحسب بالميزان.
مرت السنوات.
بنت حياتها وأسرتها.
وانقطع الخيط الذي كان
ثم في يوم من الأيام بعد طول صمت عادت.
نظرت إلي بعينين مملوءتين بالعطف لكن فيهما أيضا مسافة.
وقالت إن العيش وحيدة لم يعد فكرة جيدة
وأن الوقت قد حان لأفكر في مكان يعتني بي.
لم أجب. فقط أومأت برأسي.
وفي اليوم التالي أخذتني إلى مكان أنيق تحيط به الخضرة ويعتنى بكل تفاصيله.
وقعت الأوراق وقبلتني قبلة سريعة على خدي ثم غادرت.
كما لو كانت تؤدي مهمة مزعجة وانتهت منها.
جلست في الحديقة والريح تلاعب الزهور وفهمت شيئا.
ذلك المكان كان الملاذ الذي حلمت أنا وزوجي أن نبنيه لشيخوختنا حجرا فوق حجر.
وما زال كل شيء مسجلا باسمي اختيارا منه بدافع الحب.
قال لي ذات يوم
احتفظي به باسمك فقد يأتي وقت لا يتذكرنا فيه أحد.
وقفت وتوجهت إلى مكتب الإدارة.
وقف المدير مذهولا حين رآني.
السيدة ريفاس هذا المكان ملكك.
أعلم أجبته بهدوء.
سألني إن كنت أرغب في منع ابنتي من الدخول.
هززت رأسي نفيا.
كان لدي خطة مختلفة.
بقيت هناك. لا كضيفة بل كسيدة الدار.
جمعت الموظفين وقدمت نفسي كمديرة جديدة
بدأت بإعادة تنظيم كل شيء الأنشطة الخدمات حياة النزلاء اليومية.
ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت
أنني حية من جديد. أنني ما زلت أحدث فرقا.
بعد أسابيع جاء حفيدي توم لزيارتي. وحده.
عانقني بشدة. قال إنه يشتاق إلي وإن أمه أخبرته أنني لم أعد أرغب في رؤيتهم.
وذلك لم يكن صحيحا.
لم أكن أبحث عن المسافة. كنت أبحث عن الاحترام.
في تلك اللحظة نظرت في عينيه الصغيرتين فوجدت فيهما بريق طفولتي التي غابت منذ زمن. كانت نظراته صادقة خالية من الأحكام خالية من الشعور بالواجب.
سألني إن كنت سعيدة هنا فأجبته بابتسامة هادئة
أنا بخير يا توم بخير أكثر مما كنت أظن.
كان يحمل بين يديه رسما صغيرا بيت تحيطه الحديقة وشمس مشرقة في السماء وامرأة واقفة أمام الباب.
قال لي هذه أنت يا جدتي في بيتك الجديد.
أخذت الورقة ودمعة حارة نزلت على الخد دون إذن.
كم هو بسيط قلب الأطفال وكم هو قادر على تضميد الجراح التي يعجز عنها الكبار.
بدأ توم يزورني كل أسبوع يجلس معي في الحديقة نفسها التي جلست فيها يوم جاءت بي ناتاليا.
كان يسرد لي أخبار المدرسة وأصدقائه وأحلامه الصغيرة وكنت أستمع إليه بشغف الأم التي فقدت أبناءها لكنها وجدت في حفيدها امتدادا صادقا للحياة.
أصبحت أنتظره كل أحد أضع له الكعك الذي يحبه وأرتب الزهور على الطاولة الخشبية القديمة التي كنت أتناول عليها القهوة مع والده عندما كان طفلا هو الآخر.
وفي كل مرة يرحل يلوح لي بيده من خلف الزجاج ويعدني أن يعود قريبا.
أما ناتاليا فلم تعد.
كانت رسائلها تقل ثم تتلاشى.
كنت أقرأ آخر رسالة منها مرارا تلك التي قالت فيها
آمل أن تكوني بخير يا أمي سأحاول زيارتك قريبا.
لكن كلمة قريبا لم تأت أبدا.
مرت الشهور وتبدلت الفصول.
في الربيع كانت الأشجار تبتسم لي بورق جديد وفي الخريف تسقط أوراقها كما تسقط الذاكرة عن بعض الوجوه.
كنت أجلس مساء أراقب الغروب من نافذتي الواسعة أرى الظلال تطول والضوء يخفت فأشعر وكأن النهار ينسحب مثلي ببطء بلا وداع.
بدأ الجسد يضعف قليلا لا الألم كان مؤلما بل الوحدة.
الوحدة التي تشبه الغرفة الباردة حين يغلق بابها بإحكام ولا يبقى سوى
لكنني لم أستسلم.
كنت أقاومها بالضحك بالفن بالحديث مع الآخرين.
نظمت