قصة الطفلين المجهولين الذين أبكت صورهم العالم بعد غرق تيتانيك
في مساء بارد من أبريل عام 1912 كانت الأمواج الهادئة في المحيط الأطلسي تخفي وراء سكونها عاصفة من القدر... على ظهر سفينة تيتانيك التي صممت لتكون معجزة العصر كان هناك طفلان صغيران لا يحملان من العالم سوى اسميهما الأولين ولا يملكان أدنى فكرة أن مصيرهما سيسطر في كتب التاريخ لا لكونهما من الناجين بل لأن وجهيهما كانا شاهدين على مأساة وعلى قصة حب وأبوة تكسرت على صخور الواقع.
الأمريكية لقبتهما حينها بأيتام تيتانيك فقد وجدهما طاقم الإنقاذ بعد الكارثة الكبرى وهما يرتجفان بردا وخوفا... لا يعرف أحد من هما أو من أين جاءا أو ما الذي أوصلهما إلى هناك. فقط أعين زرقاء باكية وأياد صغيرة تبحث عن دفء فقدته.
لكن خلف تلك الصورة البريئة كانت هناك قصة تستحق أن تروى...ولد ميشال نافراتيل عام 1880 في منطقة من أراضي الإمبراطورية النمساوية المجرية. شاب طموح مثقف وسيم يمتلك مهارة في مهنة الخياطة جعلته ينتقل لاحقا إلى مدينة نيس الفرنسية بحثا عن فرصة أفضل لحياة كريمة. هناك لم يكتف فقط بإتقان صنعته بل فتح محلا
لم يكن النجاح المهني وحده ما وجد في نيس بل تعرف على فتاة جميلة تدعى مارسيل كاريت فرنسية ذات أصول إيطالية. كانت مارسيل ذكية حيوية تحمل روحا متمردة بعض الشيء. ومع مرور الوقت تحول الإعجاب إلى حب والحب إلى زواج.
ثم جاء الأطفال أولهم كان ميشال الصغير ثم بعده بعامين ولد إدموند. وبالرغم من أن البيت امتلأ بضحكات الأطفال إلا أن المودة بين الزوجين بدأت تأخذ منعطفا مختلفا... فكثيرا ما يحدث أن تنهزم العاطفة الأولى أمام ضغوط الحياة.
بدأت الخلافات بين الزوجين تتفاقم بعضها مادي وبعضها عاطفي. ميشال الأب أصبح يعاني من ضغوط العمل والدين في حين كانت مارسيل تشكو من الإهمال. وكلما ارتفع صوت الجدال خفت صوت الحب. واستمر الحال حتى انتهى بالانفصال... رسميا.
الطفلان كانا الضحية الأولى. فبحكم القانون ووسط خلافات الحضانة تم وضعهما مؤقتا في دار للرعاية إلى أن يبت في مصيرهما.
لكن بالنسبة لميشال الأب كان هذا القرار أشبه بالحكم على قلبه. لم يتحمل
وهنا... قرر أن يفعل شيئا جنونيا.
أخذ قرارا مصيريا سيهرب إلى أمريكا ليبدأ معهم حياة جديدة بعيدا عن القانون بعيدا عن الأحكام بعيدا عن كل ما يؤذيه.
باع متجره بأقل من قيمته الحقيقية فقط ليحصل على مبلغ يكفي لشراء ثلاث تذاكر للسفر عبر المحيط. أعطى المتجر لرجل يدعى لويس هوفمان وطلب منه جواز سفره متعهدا أنه يحتاجه مؤقتا. وباستخدام أوراق بعناية غير ميشال اسمه ليصبح لويس هوفمان.
استغل عيدا فرنسيا رسميا لطلب زيارة أطفاله من دار الرعاية ووقع على تعهد بإعادتهم في المساء... لكنه لم يكن ينوي العودة.
أخذ الطفلين وركب قطارا نحو ميناء ساوثهامبتون في إنجلترا وهناك صعد على متن السفينة الأكبر في العالم حينها... سفينة تايتانيك.
بالنسبة للطفلين كانت الرحلة جميلة. السفينة فخمة الطعام وفير وكل شيء يبدو وكأنه مغامرة جميلة. لكن قلب ميشال كان في مكان آخر... كان يعرف أنه يطارد وأنه في حال
أخفى اسمه الحقيقي وادعى أنه أرمل. قال للركاب إنه يسافر بابنيه ليبدأ حياة جديدة في نيويورك. ومع كل صباح كان يحاول أن يرسم الابتسامة على وجه طفليه يخبرهم بحكايات عن الحياة هناك عن بيت جديد وحديقة ومدرسة وأصدقاء جدد.
لكن خلف تلك الحكايات كانت هناك دموع لم تذرف وقلق لم يرو.
في ليلة 14 أبريل 1912 اصطدمت السفينة بجبل جليدي. ووسط الفوضى والصراخ كان ميشال يجري في الممرات المظلمة ممسكا بيد طفليه يحاول الوصول إلى قارب نجاة.
عندما اقترب الدور فهم أن القوارب للنساء والأطفال فقط فجلس على ركبتيه أمام طفليه وضمهما بشدة كأنه يودع قطعة من روحه.
قبل ميشال الصغير على جبينه وهمس له بشيء لا ينسى ثم أخرج من جيبه رسالة صغيرة وضعها في جيب معطفه وقال له
هذه لأمك... عندما تراها أخبرها أني أحببتها كثيرا وكنت أتمنى لو اجتمعنا سويا هناك.
ثم ساعد الطفلين على الركوب في آخر قارب نجاة وهو يعلم أنه لن يراهم مجددا.
و ميشال في أعماق المحيط... تاركا وراءه رسائل غير مكتملة وأحلاما