احتقروا أخوهم الفلاح… لكنهم اكتشفوا إنه أغنى واحد فيهم!

لمحة نيوز

اجتمعت عيلة ريّس في بيتهم القديم الموروث، في واحدة من قرى الريف، عشان يعملوا التجمع العائلي الكبير.
أول واحد وصل كان الابن الأصغر، ريكي، وهو مهندس ناجح، وجاي بعربية فورد إيفرست جديدة.
وبعده وصلت شيلا، الدكتورة، بعربية فورتشنر.
وبعدين جه بن، المحاسب، بعربية هوندا سيفيك.
وفي الجراج، بدأوا يتباهوا باللي حققوه.
قالت شيلا بإعجاب
ما شاء الله يا ريكي، عربية جديدة كمان!
رد ريكي بفخر
طبعًا، أنا بقيت دلوقتي مدير مشاريع. وإنتِ كمان يا دكتورة، عربيتك لامعة وتليق بنجاحك.
ضحكوا كلهم، وفضلوا يتفاخروا بالمناصب والإنجازات اللي وصلوا لها.
وأثناء ما كانوا بيتكلموا، وصل أخوهم الكبير، كويا كاردينغ.
كاردينغ ماجاش بعربية.
وصل على جرار زراعي قديم.
كان لابس قميص باهت اللون، وحاطط قبعة من سعف النخيل، وجزمته غرقانة في الوحل.
بصوا له إخوته باحتقار.
قال ريكي بضيق
يا إلهي يا كاردينغ! ده لقاء عائلي، مش حقل زراعي. إنت جيت بالشكل ده ليه؟ هتوسّخ البيت كله!
ابتسم كاردينغ وهو بيمسح العرق من على جبينه وقال
معلش، أنا جيت على طول من الحصاد. ماحبتش أضيّع وقت وأرجع أغيّر هدومي.
قلبت شيلا عينيها وقالت باحتقار
الحمد لله إننا درسنا. بفضل المنح الدراسية، ما انتهيناش فلاحين زيك من غير أي تقدم.
وأضاف بن
بالظبط. بص لنا عربيات، شهادات، نجاح.
وبعدين بص لكاردينغ وقال
وإنت لسه ريحتك تراب يا خسارة.
كاردينغ ما ردش.
دخل بهدوء للمطبخ عشان يساعد أمه، ومستحمل إهانات إخواته من غير ما يقول كلمة.
وأثناء ما كانوا بيتغدوا، فجأة دوّى صوت صفارة شرطة في الخارج.
ووقف موكب من العربيات السوداء الدفع الرباعي قدام البيت.
نزل رئيس البلدية، ومعاه حراسه وعدد من أعضاء المجلس البلدي.
همس ريكي بقلق
ده رئيس البلدية! خليكوا واخدين بالكم، ممكن الموضوع ده يفيدني في شغلي.
تقدمت شيلا بسرعة وقالت
صباح الخير يا سيادة الرئيس. أنا الدكتورة شيلا ريّس
لكن رئيس البلدية عدا من جنبهم من غير ما يبصلهم، واتجه مباشرة للمطبخ، حيث كان كاردينغ بيغسل الأطباق.
وقدام الكل، انحنى رئيس البلدية وقبّل إيد كاردينغ باحترام شديد.
وقال
نينونغ كاردينغ، أنا آسف على التأخير.
المكان كله اتصدم.
الوشوش اتجمدت، والابتسامات اختفت.
قال ريكي بصوت بيرتعش، وحلقه ناشف وكلامه متلخبط
إنت إنت تعرف أخونا؟ ده الفلاح؟
ضحك رئيس البلدية ضحكة قصيرة، لكنها كانت كفاية إنها تخلي الجميع يحس بثقل المفاجأة.
وبعدين قال بنبرة فيها دهشة واحترام
فلاح؟
وتابع
دون كاردينغ هو أكبر مالك أراضي في المقاطعة كلها. الأرض اللي اتبنى عليها المركز التجاري، والمجمع السكني، والجامعة كلها ملكه.
وبعدين أضاف
ده أكبر دافع ضرائب عندنا، وواحد من أهم أعمدة اقتصاد المنطقة دي.
الكلام وقع على الإخوات التلاتة زي الصاعقة.
وشوشهم شحبت، وأطرافهم اتجمدت، وكل واحد فيهم حس كأن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
العربيات اللي كانوا من شوية بيتفاخروا بيها، والألقاب اللي كانوا بيتغنوا بيها، فجأة بقت مالهاش أي وزن ولا معنى.
وتابع رئيس البلدية، ونبرته بقت أكثر جدية
وهو كمان اللي بيموّل المنح الدراسية لمئات الطلبة من أبناء القرى اللي حوالينا، ناس ماكانش عندهم أي أمل في التعليم من غير دعمه.
تقدمت الأم بخطوات مترددة، ودموعها كانت بتلمع في عينيها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين طويلة.
وقالت بصوت متهدج لكنه صادق
فاكرين مؤسسة المنح الدراسية اللي ساعدتكم تكملوا تعليمكم؟ المؤسسة اللي كنتوا بتفتخروا بذكرها في كل مناسبة؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
الفلوس دي ماكانتش من الحكومة دي كانت من أخوكم.
ساد صمت عميق.
ماحدش بقى يجرؤ يقاطعها.
وكملت وهي بتمسح دموعها
لما أبوكم مات، كاردينغ كان لسه ولد صغير. ساب المدرسة من غير تردد، ونزل الأرض يشتغل فيها من الفجر لحد الغروب.
وكل اللي كان بيكسبه من تعب السنين، كان بيوجّهه لمصاريف تعليمكم، كتاب ورا كتاب، وفصل ورا فصل.
وبعدين أضافت بصوت اختلط فيه الوجع بالفخر
وهو اللي طلب مني أقول لكم إن الفلوس منحة، عشان ماتحسوش بالإحراج أو تحسوا إنكم أقل من زمايلكم.
ثم نظرت إليهم وقالت
كل اللي بتتباهوا بيه النهارده شهاداتكم، مناصبكم، عربياتكم كله بفضل الطين اللي كان لازق في جزمته.
ماحدش منهم لقى حاجة يقولها.
الندم خيّم على المكان، تقيل زي الصمت.
وفي اللحظة دي، وقفت عربية مرسيدس بيضا عند مدخل البيت.
نزل منها راجل أنيق، ماسك شنطة جلد سودا.
وقال المحامي فالديز وهو بينزل بخطوات واثقة، وملامح الجدية واضحة على وشه
وصلت في الوقت المناسب. النهارده هنقرأ البند الخاص من وصية دون تيودورو ريّس.
ساد صمت تقيل، كأن الهوا نفسه وقف.
حتى أنفاس الموجودين بقت مسموعة.
بص الإخوات التلاتة لبعض بقلق.
وبدأ الخوف يتسلل جواهم، خوف عمرهم ما حسوا بيه قبل كده.
سأل بن بدهشة واضحة، وهو عاقد حواجبه
لسه فيه حاجة إحنا ما سمعناش عنها؟
رفع المحامي الملف الجلدي، وفتحه ببطء متعمد، كأن كل حركة محسوبة.
وبعدين قال
أيوه.
وسكت لحظة، ثم تابع
اللي ماكنتوش تعرفوه إن كاردينغ ماكانش الوريث المباشر للثروة.
اتسعت عيونهم.
وأكمل
هو كان مجرد مدير ووصي عليها لمدة عشر سنين كاملة، ومهمته كانت يحافظ عليها وينميها، لحد ما ييجي وقت الاختبار الحقيقي.
اتقدم خطوة تانية، وقال بصوت واضح
والوصية نصّت بشكل صريح إن لو ظهر منكم النهارده غرور، أو احتقار، أو استعلاء على أخوكم، حصصكم في الميراث هتتحول تلقائيًا لمؤسسة خيرية تهتم بالفلاحين وأبناء الريف.
شهقت شيلا بخفة.
واتسعت عيون ريكي.
أما بن، فحس إن الأرض بتتمايل من تحته.
وفجأة فهموا إن كل اللي حصل من الصبح ماكانش صدفة.
كان اختبارًا محسوبًا بدقة.
وأضاف المحامي وهو بيقفل الملف ببطء
الاختبار الحقيقي ماكانش الفلوس، ولا الشهادات، ولا العربيات الفخمة.
وبص لهم وقال
السؤال الوحيد كان مين فيكم مستعد يسيب الثراء، وينزل من العروش الوهمية اللي قاعد عليها، ويمشي مع أخوه في الطين من غير خجل ولا تكبر؟
في اللحظة دي، اتكلم كاردينغ أخيرًا.
كان صوته ثابت وهادي.
مافيهوش شماتة ولا رغبة في الانتقام، لكن فيه حزم واحد عاش سنين طويلة من الصبر والكتمان.
قال
قدامكم اختيارين، مافيش تالت.
سكت لحظة، وبعدين تابع
يا إما توقّعوا المستند ده، وتاخدوا الثروة كاملة زي ما هي، لكن بشرط واحد
توقف لحظة.
إنكم تخرجوا من هنا، وماترجعوش تشوفونا ولا تكلمونا طول عمركم.
ثم تابع بنبرة أعمق
أو تسيبوا عربياتكم، وتخلعوا هدومكم الفخمة، وتلبسوا الجزم، وتشتغلوا معايا في الأرض شهر كامل.
من غير امتيازات، من غير ألقاب، من غير رفاهية مجرد عيلة، وعرق، وأرض.
ساد صمت أطول من الأول.
صمت ماكانش فراغ، لكنه كان تقيل وخانق.
ماحدش قدر يتكلم.
وكأن الكلام نفسه فقد قيمته فجأة.
بص كل واحد منهم لمفتاح عربيته اللي في إيده.
المفاتيح اللي كانت من ساعات رمز للنجاح والتفوق، بقت دلوقتي عبء تقيل، وشاهدة على غرور أعمى وأخطاء مؤلمة.
كانت الترابيزة الخشب القديمة في نص الأوضة، أطرافها متآكلة، وشاهدة على سنين طويلة من التعب والانتظار.
اتقدم ريكي الأول.
اتردد لحظة.
وبعدين حط مفاتيحه ببطء.
كأنه بيحط جزء من ماضيه.
بعده شيلا، وإيديها كانت بتترعش.
وبعدين بن، اللي حط مفاتيحه بصوت

تم نسخ الرابط