بعد وفاة زوجها باعت البيت وسددت ديونه... وبعد 30 سنة اكتشف أبناؤها الحقيقة التي أخفتها عنهم!
في ذلك المساء الممطر لم أقل لأمي كل ما كان يدور في داخلي.
لم أستطع.
كان حلقي مخنوقًا، وقدمي ما زالت تلامس تلك الندبة القاسية التي غيّرت طريقة مشيها إلى الأبد.
نظرت إليّ وأنا أبكي، وكعادتها لم تسأل كثيرًا.
فقط مررت يدها على شعري ببطء، كما كانت تفعل عندما كنت طفلة وترتفع حرارتي في الليل.
قالت لي
خلاص يا ابنتي لا تبكين على أشياء قديمة.
لكنني كنت أعرف أنها لم تكن أشياء قديمة.
كانت أشياء ما زالت حيّة.
كانت هناك.
في كاحلها.
وفي يديها المتعبتين.
وفي ظهرها المنحني.
وفي طريقتها في النهوض حتى وهي لا تملك قوة للنهوض.
بقيت إلى جانبها حتى توقف المطر.
وقبل أن أغادر، طلبت مني أن أفتح الخزانة وأخرج لها بطانية أثقل.
وعندما حرّكت بعض الصناديق، سقطت علبة قديمة من علب البسكويت، صدئة ومربوطة بشريط أحمر.
نهضت أمي فجأة، وكأنها رأت شيئًا لم يكن يجب أن يظهر.
قالت بسرعة
اتركيها مكانها.
لكن صوتها كان مختلفًا.
لم يكن غضبًا.
كان خوفًا.
التقطت العلبة، وشعرت أن وزنها أكبر من أن تكون مليئة بأزرار أو خيوط فقط.
سألتها
ما هذه يا ماما؟
أخفضت عينيها.
أوراق قديمة لا تنفعكم بشيء.
لم ألحّ عليها في تلك اللحظة.
فنحن لم نتعلم يومًا أن ننتزع منها الحقيقة بالقوة.
لكن في تلك الليلة، عندما عدت إلى بيتي، لم أستطع النوم.
وفي اليوم التالي اتصلت بلمياء وسعد وحيدر.
أخبرتهم
سكت حيدر طويلًا، ثم قال جملة جعلتنا نصمت جميعًا
أنا رأيتها تبكي مع هذه العلبة مرة وظننت أنها ذكريات أبي.
وفي الأسبوع نفسه عدنا نحن الأربعة إلى بيت أمي.
لم نأتِ بصوت عالٍ.
ولا بأسئلة قاسية.
جئنا بخبز حلو وقهوة والأحفاد، كأي يوم جمعة عائلي.
لكن أمي عندما رأتنا مجتمعين فهمت قبل أن نتكلم.
تنهدت.
وطلبت من الأطفال أن يخرجوا إلى الحوش.
ثم طلبت من حيدر أن يحضر العلبة.
كان داخلها رسائل.
كثيرة.
بعضها اصفرّ من الزمن.
وبعضها مطوي بعناية شديدة، كأنه ما زال يحتفظ بدفء يد من كتبه.
كانت الرسائل من رجل اسمه جاسم العبيدي.
كان معلمًا في قرية قريبة من الحلة، تعرّفت إليه أمي عندما كانت تعمل في المستشفى.
كانت الرسائل الأولى محترمة وبسيطة.
كان يحدثها عن مدرسة صغيرة يعمل فيها، وعن غرفة متواضعة قريبة من شط الحلة، وعن حياة هادئة يمكنها أن ترتاح فيها قليلًا.
ثم بدأت الرسائل تتغير.
لم يعد يطلب حبًا فقط.
بل صار يطلب الإذن أن يساعدها.
أن يقف معها.
أن يتزوجها.
وأن يقبلنا نحن الأربعة كأبنائه.
بدأت لمياء تبكي قبل أن ننهي قراءة الرسالة الثانية.
وغطى سعد فمه بيده.
أما حيدر فبقي ينظر إلى الأرض، كأن أحدًا وضع فوق كتفيه كل السنوات التي حملتها أمي وحدها دون أن نعرف.
أمي لم تبكِ.
بقيت جالسة ويداها فوق ركبتيها.
ثم قالت أخيرًا
كان رجلًا طيبًا طيبًا
لم يقل أحد منا شيئًا.
فواصلت الكلام ببطء، وهي تنظر إلى زاوية الطاولة.
أخبرتنا أن جاسم عرض عليها الزواج عندما كان حيدر في السابعة من عمره.
وأنه لم يكن يهتم بالفقر.
ولا بكلام الناس.
ولا بأنها كانت زوجة رجل آخر.
كان يريد أن يبني معها عائلة.
وكان يريد أن يأخذنا معها أيضًا.
لكن أمي رفضت.
ليس لأنها لم تكن تحبه.
بل أحبته.
كان ذلك واضحًا في صوتها، حتى وهي تحاول إخفاءه.
قالت إنها خافت.
خافت أن نشعر يومًا أنها استبدلت أبانا برجل آخر.
أو أن يعاملنا أحد كعبء في بيت ليس بيتنا.
قالت إننا كنا قد خسرنا ما يكفي.
سألتها لمياء بصوت مكسور
وأنتِ ماذا خسرتِ يا ماما؟
ابتسمت أمي ابتسامة صغيرة، كأن السؤال أخجلها.
وقالت
لا شيء يجب أن تدفعوا ثمنه.
عندها نهض حيدر وخرج إلى الحوش.
وجدناه قرب الحنفية القديمة، يبكي كما لم نره يبكي حتى يوم تخرجه من كلية الطب.
قال
أنا درست الطب بسببها ولم أكن أعرف أنني وأنا أكبر، كانت هي تتنازل عن حقها في أن تجد من يضمها آخر النهار.
لم يعرف أحد منا ماذا يقول.
في ذلك العصر لم تكن هناك عتابات.
لكن شيئًا ما تغيّر داخلنا.
لأننا حتى ذلك اليوم كنا نشكر أمي لأنها ربّتنا.
ولأنها علمتنا.
ولأنها حفظت البيت.
لكننا لم نفهم الجزء الأشد صمتًا.
أنها دفنت شبابها أيضًا.
بلا ضجيج.
بلا شكوى.
وبلا أن تطلب منا ذنبًا نحمله بدلًا عنها.
وقبل أن نغادر، أخذت أمي آخر رسالة.
كانت الرسالة الوحيدة التي لم تُفتح.
كان عليها تاريخ قديم يعود إلى أكثر من ثلاثين سنة.
أمسكتها بين أصابعها طويلًا.
ثم أعطتني إياها.
وقالت
اقرئيها عندما لا أكون موجودة.
شعرت ببرد غريب في صدري.
قلت بسرعة
لا تقولي هذا.
مسحت على يدي بأصابعها الخشنة.
وقالت
كل الأمهات يذهبن يومًا يا ابنتي المهم ألا يذهبن قبل أن يعرفن كم أحبهن أبناؤهن.
وضعت الرسالة في حقيبتي.
لكنني لم أستطع التوقف عن التفكير فيها.
وفي تلك الليلة، عندما وصلت إلى بيتي، وضعتها في درج صغير قرب سريري دون أن أفتحها.
ولأول مرة في حياتي، خفت أن أعرف القصة الكاملة للمرأة التي أعطتنا كل شيء.
توفيت أمي بعد عامين.
في فجر هادئ.
كان حيدر جالسًا إلى جانبها، والبطانية تغطي قدميها.
لم يكن رحيلًا يشبه القصص الكبيرة.
لم تكن هناك كلمات طويلة.
ولا وداع كامل.
في الليلة السابقة طلبت مهلبية بالحليب.
وعاتبت أحد الأحفاد لأنه كان يركض داخل البيت.
ثم نامت وهي تسمع صوت المطر.
عند الرابعة فجرًا لاحظ حيدر أن تنفسها تغيّر.
أمسك يدها.
ناداها بصوت منخفض.
ثم اتصل بلمياء وسعد وبي.
وعندما وصلنا، كانت أمي ما تزال دافئة.
كان وجهها هادئًا.
أكثر راحة مما رأيناه منذ سنوات طويلة.
اقتربت من قدمها اليسرى.
ولمست للمرة الأخيرة تلك الندبة العريضة التي مررنا عليها كثيرًا وسط
بعد الدفن، امتلأ البيت بالناس والقهوة والدعاء والكراسي المستعارة.
جاء الجيران بالأرز والخبز والشموع.
وأرسل