الحكمة بين قطرتين

لمحة نيوز

في صباح يوم دافئ من أيام الخريف جلس رجل مسن على الشرفة يتأمل السماء ويحمل في يده فنجان قهوة بينما تفكيره مشغول بأمر لم يغادر قلبه منذ شهور
قال في نفسه
"مر عام كامل ولم أزر بناتي ترى كيف هي أحوالهن هل هن بخير هل الحياة تبتسم لهن كما أتمنى"
وقف لبس عباءته وتوجه إلى الداخل قائلا لزوجته
"اليوم سأسافر لزيارة بناتنا قلبي يشتاق لهن وأريد أن أطمئن على أحوالهن بنفسي"
ابتسمت زوجته وقالت
"سفرا طيبا ولا تنس أن تنقل لهن محبتي ودعواتي"
وهكذا بدأ الرجل رحلته محملا بالشوق ومفتوح القلب
وصل إلى قرية خضراء في إحدى الأرياف حيث تسكن ابنته الكبرى التي تزوجت من رجل فلاح بسيط
استقبلته ابنته بفرحة كبيرة احتضنته بحرارة وأدخلته إلى بيتها المتواضع الذي تفوح منه رائحة الحطب والشاي
جلس الأب على الوسادة وسألها وهو يبتسم
"كيف حالك يا ابنتي وكيف حال زوجك وأولادك"
قالت وهي تحاول أن تبدو مطمئنة
"الحمد لله يا أبي نحن بخير ولكن"
"ولكن ماذا قولي يا ابنتي أنا هنا لأسمعك"
تنهدت

وقالت
"زوجي استأجر قطعة أرض كبيرة هذا الموسم واستدان ثمن البذور والمعدات تعب كثيرا وعمل بجد زرع الأرض بيديه نحن الآن ننتظر المطر فلو أمطرت سيكون محصولنا وفير وسنسدد ديوننا ونعيش براحة
أما إن تأخرت السماء فلن يكون لنا محصول وسنقع في ضيق كبير"
سكت الأب قليلا ونظر من النافذة نحو السماء وابتسم ابتسامة فيها تفكر ثم قال
"ربنا كريم يا بنتي وربما يحمل الغد ما لا نتوقعه"
ودعها وأكمل رحلته إلى بيت ابنته الثانية
انتقل إلى بلدة قريبة حيث تقيم ابنته الثانية التي تزوجت من رجل يعمل في صناعة الفخار
وصل بيتها واستقبلته بحفاوة لا تقل عن أختها
جلس في مجلس مزخرف بأعمال فخارية جميلة صنعت بأيد ماهرة
سألها
"كيف حالك يا ابنتي وكيف الأحوال مع زوجك"
أجابت وهي تضحك
"نحن بخير يا أبي والحمد لله دائما لكن لدينا قلق من نوع آخر"
قال
"قلق حدثيني يا ابنتي"
قالت
"زوجي اشترى هذا الشهر كمية كبيرة من التراب بالدين وجهزه ليصنع منه الفخار تعب كثيرا وعمل ليل نهار حتى صنع أواني
كثيرة ووضعها تحت الشمس لتجف
المشكلة الآن أننا بحاجة لأن
لا تمطر السماء!
لو أمطرت سيتلف كل ما صنعناه ويذوب الفخار قبل أن نجففه وهذا يعني خسارة كبيرة لنا"
نظر الأب إلى ابنته بهدوء ثم ألقى نظرة طويلة إلى السماء من شباك بيتها وسكت قليلا
عاد الرجل إلى بيته وفي طريقه كان يتأمل كلمتين
إن أمطرت وإن لم تمطر
وصل إلى بيته فاستقبلته زوجته بلهفة وسألته
"كيف كانت رحلتك وكيف أحوال البنات"
تنهد الرجل وجلس في مكانه المعتاد وقال
"كلاهما بخير لكن الأمر أعقد مما توقعت"
ثم حكى لها القصة بالتفصيل كيف أن واحدة تنتظر المطر لتنجو والثانية تخاف من المطر لتنجو
ضحكت الزوجة بتعجب وقالت
"يعني إن أمطرت إحداهن تسعد والثانية تتعب"
قال
"بالضبط وإن لم تمطر تنقلب المعادلة"
ثم سكت قليلا وقال جملته التي تلخص كل الحكمة
"إن أمطرت فاحمدي الله وإن لم تمطر فاحمدي الله فالحمد لله على كل حال"
جلس مع زوجته في سكون وقال لها
"تعرفي هذه هي الحياة أحيانا تفرح لشيء ويكون نفس الشيء ده
مصدر قلق لحد تاني
ما يسعدك يمكن أن يحزن غيرك وما يقلقك يمكن أن يكون حلم شخص آخر"
ردت زوجته
"يعني الحل إننا نرضى ونحمد في كل حال"
قال
"بالضبط والرضا مش ضعف الرضا قوة قوة الإيمان إن ربنا شايف الصورة كاملة وإحنا شايفين منها بس زاوية صغيرة"
ومع مرور الأيام لم ينس الرجل زيارته بل صار يروي القصة لكل من يقصده بالشكاية أو الحيرة ويقول دائما
"اتنين عندهم نفس الأب لكن ظروفهم معكوسة كل واحدة محتاجة حاجة مختلفة علشان تعيش وكل واحدة بتتمنى حاجة ضد التانية
ومع كده الاتنين بيحبوا أبوهم وبيتمنوا الخير لبعض
فخدها قاعدة
ما ناسبك قد لا يناسب غيرك
وما ضايقك قد يكون رحمة لحد تاني"
خلاصة القصة
لا تحكم على الأمور من منظورك فقط فغيرك يعيش حياة مختلفة بتفاصيلها
لا تفترض أن الجميع يفكر مثلك أو يحتاج ما تحتاجه
أكثر الخلافات تبدأ من "مقصود لم يفهم" أو "مفهوم لم يقصد"
والحل خطوتين بسيطين
اسأل قبل أن تحكم
وحسن الظن قبل أن تسيء الفهم
نهاية القصة وبداية الفهم
كل ما
نحتاجه أحيانا هو أن نسمع بقلبنا لا بأذننا
وأن نرى النعمة مش بس النقص

تم نسخ الرابط