كنت ألوم زوجتي لأنها لا تُرضع طفلنا… إلى أن اكتشفت ماذا كانت أمي تُطعمها بالخفاء داخل بيتي

لمحة نيوز

المطبخ بدأ يلف حولي.
كنت ما أزال ممسكًا بذلك الصحن، لكنني لم أعد أشعر بأصابعي. الرائحة الحامضة دخلت إلى صدري وقلبت معدتي. هذا لم يكن مجرد أكل بارد أو بقايا عادية.
كان فضلات طعام.
عظام.
مرق فاسد.
أشياء أي إنسان طبيعي كان سيرميها فورًا.
جاوبيني
قلت بصوت لم يعد يشبه الأوامر، بل يشبه التوسل.
هذا اللي كنتِ تاكلينه من يوم رجعتي من المستشفى؟
كانت زهراء تبكي وهي على ركبتيها.
مو كل يوم
وهذه الإجابة حطمتني أكثر.
لأنها لم تقل لا.
قالت مو كل يوم.
نزلت أمامها بسرعة.
أمي شنو كانت تعطيچ حتى تاكلين؟
زهراء أغلقت شفتيها بخوف.
علي أرجوك
شنو كانت تعطيچ؟
نظرت نحو باب المطبخ بخوف، وكأن أمي قد تظهر بمجرد أن نذكر اسمها.
رز أحيانًا مرق أي شيء يبقى من الأكل. كانت تكول لازم ما نرمي النعمة وإن المرأة بعد الولادة مو لازم تتدلل بالأكل.
ارتفع صوتي دون أن أشعر.
وأنا كل شهر أعطيها فلوس حتى تشتري لج أكل زين!
خفضت زهراء رأسها.
هي تشتري
إذًا وين يروح؟
بدأ جسدها يرتجف.
كانت تاخذه لبيت أخوك حيدر.
شعرت أن شيئًا ضغط على صدري بقوة.
لحيدر؟
هزّت رأسها ببطء.
تكول مرت حيدر حامل وتحتاج تغذية أكثر وتكول إني صغيرة وأتحمل.
في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا انكسر داخلي.
زوجة أخي كانت حامل في شهرها الرابع، نعم.
لكنني لم أكن أعلم أن أمي كانت تطعمهم من المال الذي

أعطيه لزوجتي وابني.
وإنتِ؟ شنو كنتِ تاكلين؟
نظرت إلى الصحن بصمت.
أي شيء يبقى.
وقفت فجأة ورميت الصحن بقوة على الأرض.
تحطم إلى قطع صغيرة.
المرق تناثر فوق البلاط، والعظام تدحرجت قرب قدمي.
وزهراء انتفضت بخوف.
آسفة والله آسفة
لا تعتذرين.
كان صوتي يرتجف من شدة الغضب.
مو إنتِ اللي لازم تعتذرين.
في تلك اللحظة بدأ يوسف يصدر صوت بكاء ضعيف من الغرفة.
ليس بكاءً عاليًا
بل ذلك الصوت المتعب لطفل بكى أكثر مما نام.
وشعرت وقتها أنني أختنق.
لأسبوعين كاملين كنت ألوم زهراء لأنها لا تملك حليبًا.
لكن كيف سيخرج الحليب من جسد يتضور جوعًا؟
كيف ستتعافى وهي تأكل طعامًا فاسدًا؟
كيف ستحمل طفلها وهي بالكاد تستطيع الوقوف؟
دخلت الغرفة بسرعة وحملت يوسف.
كان خفيفًا جدًا.
أخف مما يجب.
وجهه محمر من كثرة البكاء، وجسده الصغير يبحث عن الدفء في صدري.
عدت به إلى المطبخ.
وزهراء كانت ما تزال على الأرض تجمع قطع الصحن بيديها المرتجفتين.
اتركيه.
قلتها بهدوء.
لكنها لم تتوقف.
أمك راح تزعل
وهذه الجملة كانت الصفعة الثانية.
هي لم تكن خائفة من الجوع.
ولا من المرض.
كانت خائفة فقط من غضب أمي.
نزلت قربها وأمسكت يديها.
كانتا باردتين جدًا.
زهراء اسمعيني. من اليوم ما راح أحد يهينچ داخل هذا البيت مرة ثانية.
رفعت عينيها نحوي بنظرة فيها أمل ضعيف كسر قلبي.
وفجأة سمعنا
صوت دراجة بالخارج.
وصوت أمي تضحك وهي تصعد الدرج.
دخلت وهي تحمل أكياسًا بيديها، وتغني كأنها عائدة من عمل جميل.
لكن عندما رأتني واقفًا بالمطبخ، والأرض مليئة ببقايا الطعام، تغيّر وجهها فورًا.
ولم يكن فيه ذنب.
بل غضب.
شنو هاي الفوضى؟!
صرخت بعصبية.
هسا مرتك قامت تكسر الصحون همين؟
نظرت إليها طويلًا.
ولأول مرة في حياتي
لم أرَ أمي.
رأيت امرأة جوّعت زوجتي وابني.
هذا اللي كنتِ تطعمين زهراء إياه؟
عقدت حاجبيها بضيق.
لا تبالغ. هي مو مريضة خطيرة المرأة بعد الولادة تاكل أي شيء وتعيش.
كنتِ تعطينها أكل خربان.
لا تسوي سالفة من لا شيء.
اقتربت ونظرت إلى الأرض بازدراء.
الأكل كان زين بس مرتك مدللة زيادة.
شعرت أن الدم يغلي داخلي.
أنا أعطيچ فلوس حتى تطعمينها زين.
وأنا أصرف على البيت كله.
أي بيت؟ بيتي لو بيت حيدر؟
سكتت ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
مرت حيدر حامل.
قالتها وهي ترفع ذقنها.
وتحتاج اهتمام أكثر. وبعدين هو أخوك وظروفه صعبة مو معقولة تبخل عليهم.
تجمدت مكاني.
تبخل عليهم؟
أنا الذي أعمل لساعات إضافية حتى تأكل زوجتي جيدًا.
أنا الذي وثقت بها.
أنا الذي كررت كلامها ضد زوجتي مثل الأعمى.
أخذتِ أكل زوجتي وابني حتى تطعمين حيدر ومرته؟
هذا أخوك.
وزهراء شتكون إلك؟
نظرت أمي نحو زهراء باحتقار واضح.
دخلت هذا البيت ولازم تتعلم التضحية.
خفضت
زهراء رأسها فورًا.
وهذه الصورة حطمت آخر شيء بقي داخلي.
زوجتي
امرأة ولدت قبل أيام
ضعيفة وجائعة
تجلس بين بقايا الطعام الفاسد وتخفض رأسها للمرأة التي دمّرتها.
وضعت يوسف في حضن زهراء وخرجت من المطبخ مباشرة.
صرخت أمي خلفي
علي! وين رايح؟
لم أرد.
دخلت الغرفة وسحبت أكبر حقيبة موجودة.
بدأت أجمع ملابس زهراء.
حفاضات الطفل.
الأغطية.
الأدوية.
الفحوصات.
علب الحليب.
كل شيء.
دخلت أمي خلفي بعصبية.
لا تسوي دراما فارغة.
واصلت التوضيب دون أن أنظر إليها.
دا أحچي وياك!
أغلقت الحقيبة ثم التفتُّ إليها أخيرًا.
إحنا طالعين من هذا البيت.
تغير وجهها فورًا.
علمود هاي؟
علمود زوجتي. وابني. وعلمودي همين لأني ما أريد أبقى الابن اللي يدافع عن أمه وهي تدمر عائلته.
وضعت يدها على صدرها بصدمة.
أنا ربيتك!
وأنا أحببتك لهذا السبب لكن هذا ما يعطيچ الحق تجوعين زوجتي.
محد كان راح يموت!
نظرت إلى يوسف.
ثم إلى زهراء.
والمشكلة إنچ انتظرتِ لحد ما يقربون يموتون فعلًا.
رفعت يدها وكأنها تريد ضربي أو الإشارة نحوي
لكنني لم أعطها الفرصة.
حملت الحقيبة، وساعدت زهراء على الوقوف، وخرجنا من الغرفة.
وأمي ما تزال تصرخ خلفنا
أنني ناكر للجميل.
وأن زهراء فرقتني عن أهلي.
وأنني سأندم.
لكنني هذه المرة لم أتوقف.
عند الباب فقط التفتُّ إليها آخر مرة.
يمّه إذا تريدين تشوفين حفيدچ
مرة ثانية، تعلّمي أولًا تشوفين أمه كإنسانة.
ثم فتحت الباب
وأخذت عائلتي وخرجت من ذلك البيت.
ذهبنا مباشرة إلى المستشفى.
ليس إلى بيت أهل زهراء.
ولا إلى فندق.
ولا
تم نسخ الرابط