طلعوا يحمون ابنهم قدام الناس… وما كانوا يعرفون إن الليلة كلها كانت متسجلة عليهم

لمحة نيوز

سارة كانت واقفة قربي، ويديها ترتجفان من التوتر، وأنا لأول مرة في حياتي أنظر لعائلتي وأشعر أن الغرباء أرحم منهم.
أمي اقتربت خطوة وهي تنظر لسارة باحتقار.
اهدي شوي الناس برة راح تسمع!
سارة رفعت عينيها ببطء.
الدموع كانت تغطي وجهها، لكن شيئًا داخل نظرتها أخافني أنا شخصيًا.
الانكسار تحول إلى غضب.
قالت بصوت مبحوح
فضيحة؟!
ثم أشارت نحو حيدر.
ابنچ تجاوز حدوده وياي!
أبي ضرب عصاه بالأرض بعنف.
سارة! احترمي نفسچ وإنتِ تحجين!
وفي تلك اللحظة
حيدر بدأ يضحك.
ضحكة مستفزة.
وقال وهو يمسح الدم من فمه
جماعة هاي تمثل كانت واقفة وياي عادي!
شعرت أن الدم صعد إلى رأسي.
لكن قبل أن أتحرك
سارة ابتعدت عن حضني.
وقفت أمامه مباشرة.
وبكل قوتها
صفعته.
الصوت انفجر في الممر كله.
حيدر تجمد من الصدمة.
وأمي شهقت
إنتِ تجننتِ يا قليلة التربية؟!
لكن سارة كان قد انكسر داخلها آخر جزء خائف.
صرخت وهي تبكي
من أول يوم دخلت هذا البيت وأنتم تذبحوني! مرة بأصلي، مرة بأهلي، مرة بلبسي وسكت! لكن ابنكم يتصرف معي بهالشكل؟! لا لا والله!
أبي نظر إليّ بغضب.
خذ مرتك واطلعوا قبل لا أفقد أعصابي!
وهنا
أخرجت هاتفي.
وضغطت زرًا واحدًا.
وفجأة خرج صوت أمي واضحًا من السماعة وسط الممر
هاي البنت عمرها ما راح تصير من مستوانا.
ثم صوت أبي
هو اللي اختار وحدة أقل

منه.
وبعدها
صوت حيدر.
قبل صرخة سارة بدقيقة واحدة.
كان يقول لصديقه وهو مخمور
هاي لازم تعرف حدودها داخل هذا البيت.
وجه أمي سحب لونه فورًا.
وأبي اقترب مني بسرعة.
طفّي التسجيل حالًا!
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن التسجيل.
نظرت لأبي وقلت
هذا مو تسجيل عادي يا أبي.
رفعت الهاتف أمام وجهه.
وقلت
التسجيل متبعت تلقائيًا على سحابة إلكترونية، وإذا صار إليّ أو لسارة أي شيء، نسخة منه راح توصل للنيابة وللصحافة.
الصمت الذي نزل بعدها كان مرعبًا.
لأول مرة
أبي خاف.
لكن الشيء الذي دمّرهم فعلًا
لم يكن التسجيل.
وأنا واقف في الممر، نظرت إلى حيدر وقلت
تظن إني ما أعرف شيء عن شغلك؟
ابتسامته اختفت فورًا.
كملت
تظن إني ما أعرف إنك تغسل فلوس أبوي بشركات وهمية؟
أبي صرخ
كريم! اسكت!
لكنني لم أتوقف.
أخرجت ملفًا من حقيبتي الجلدية.
ورميته على الأرض.
الأوراق انتشرت أمامهم.
تحويلات مالية.
عقود مزورة.
حسابات سرية.
وأسماء رجال أعمال معروفين.
كنت أجمع هذه الأدلة منذ سنة كاملة.
منذ اكتشفت أن أبي وحيدر يهربان الأموال ويبتزان شركاءهم.
لكنني بقيت صامتًا.
من أجل أمي.
ومن أجل سمعة العائلة.
حتى هذه الليلة.
حتى وصلوا لمرتي.
الكارثة انفجرت وسط الحفل.
لأن باب الممر انفتح في تلك اللحظة بالذات.
وكان هناك ضيوف واقفون.
رجال أعمال.
صحفيون.
وأصدقاء
أبي.
كلهم سمعوا.
وكلهم شاهدوا.
وفجأة
سارة فعلت شيئًا لم يتوقعه أحد.
مسحت دموعها.
وعدلت ملابسها بسرعة بيد ثابتة.
ثم خرجت تمشي وسط المعازيم.
وأنا خلفها.
القاعة كلها سكتت أول ما رأوا شكلها.
أمي ركضت خلفها وهي تصرخ
سارة! ارجعي لهنا!
لكن سارة صعدت إلى المسرح الصغير الذي تقف عليه الفرقة الموسيقية.
وأمسكت الميكروفون.
كل العيون كانت متجهة نحوها.
وقالت بصوت ثابت
آسفة إذا راح أفسد حفلتكم لكن أهل زوجي حاولوا يخلوني الضحية اللي تسكت.
ثم أشارت نحو حيدر.
أخو زوجي تصرف معي بطريقة ما أقبلها أبدًا.
القاعة انفجرت همهمات وصراخًا.
وأحسست أن أبي سيسقط مكانه.
لكن سارة لم تكمل بالبكاء.
أكملت بالقوة نفسها.
وقالت
وحماتي بدل ما تدافع عني سألتني أنا شسويت حتى يخلي ابنها يسوي هيچ.
كل العيون اتجهت نحو أمي.
وجهها تحول إلى لون رمادي.
ولأول مرة في حياتها
لم تجد أي رد.
الشرطة وصلت بعد نصف ساعة.
واحد من الضيوف كان صحفيًا معروفًا، وسرّب جزءًا من القصة قبل أن ينتهي الليل.
وخلال أيام
اسم عائلة الشمري صار فضيحة على كل لسان.
تحقيقات كبيرة.
وتحقيقات مالية.
والشركات تجمدت.
أما حيدر
حتى أصدقاؤه ابتعدوا عنه.
الرجل الذي كان يدخل أي مكان ورأسه مرفوع
صار يدخل مبنى التحقيق مكبل اليدين.
الصحفيون يلاحقونه بالكاميرات من باب إلى باب.
الناس
الذين كانوا يتسابقون حتى يصافحوه في الحفلات، صاروا يخفون وجوههم عندما يظهر اسمه في الأخبار.
حتى أصدقاؤه الذين كانوا يقفون خلفه دائمًا اختفوا فجأة.
وأبي
أول مرة رأيته يبدو عجوزًا فعلًا.
خلال أسبوع واحد فقط، شعره ازداد شيبًا، وصوته صار أضعف، ونظرته التي كانت دائمًا مليئة بالغرور تحولت إلى خوف صامت.
حاول يساومني.
اتصل بي بعد أسبوع.
صوته كان منخفضًا بشكل غريب، كأنه يتحدث مع شخص لا يعرفه.
قال
نقسم كل شيء بينك وبين أخوك بس سكر الموضوع.
لم أجاوبه فورًا.
كنت واقف وقتها في مطبخ الشقة الجديدة، وسارة تعد الشاي بهدوء كأنها تحاول تعلّم الحياة من جديد.
نظرت إليها للحظة.
ثم قلت
وحق مرتي بكم تريدني أبيعه؟
سكت.
سمعت فقط صوته وهو يتنفس.
ثم حاول يتكلم
كريم اسمعني
لكنني أغلقت الخط بوجهه.
ومنذ ذلك اليوم
لم يحاول الاتصال بي مرة أخرى.
بعد أشهر
أنا وسارة انتقلنا إلى شقة جديدة بعيدة عن كل شيء يخصهم.
بعيدة عن الفيلا.
وعن الحفلات.
وعن الصور المعلقة على الجدران.
وعن ذلك الممر الذي تغيّر فيه كل شيء خلال عشر دقائق فقط.
الشقة لم تكن كبيرة.
ولا فخمة مثل البيت الذي خرجت منه.
لكن لأول مرة منذ سنوات
كنت أشعر أنني أتنفس دون ثقل فوق صدري.
في أول ليلة هناك، كانت سارة واقفة في الشرفة تنظر إلى سماء بغداد.
المدينة كانت هادئة بشكل
غريب تلك الليلة.
الهواء البارد يحرك شعرها قليلًا، والضوء البرتقالي القادم من الشارع ينعكس على وجهها المتعب.
اقتربت منها ببطء.
وقفت بجانبها.
ثم سألتها
ندمانة إنچ
تم نسخ الرابط