ليلة الهروب من القبيلة… قادها طفل صغير إلى سر أخفته القرية لسنوات
خرجت نورة من المقبرة وهي تمسك يد الطفل الصغيرة بقوة.
كانت تضمّه إليها أحيانًا، وتداعبه بالكلام أحيانًا أخرى حتى تنسيه وجعه.
أما وجعها هي فقد أخفته داخل صدرها بصمت.
كانت لا تعرف أين ستذهب، ولا أين ستنام تلك الليلة، ولا ماذا ينتظر امرأة هاربة من قبيلتها في أرض لا ترحم الضعفاء.
الجزء الثاني سيكشف إلى أين سيأخذها ذلك الطفل الصغير بعد خروجهما من المقبرة القديمة.
كان الصباح قد بدأ يزحف ببطء فوق الطرق الترابية حين توقف الطفل فجأة قرب شجرة سدر كبيرة.
التفت إلى نورة وقال بصوت خافت
بيتي قريب من هنا.
نظرت إليه بتردد.
كانت خائفة من كل شيء.
من الناس من الرجال من الأسئلة من أن يتعرف أحد على وجهها أو يسمع بقصتها.
لكن التعب كان أقوى من خوفها.
قالت وهي تمسح العرق عن جبينها
ومن يعيش معك؟
خفض الطفل عينيه.
جدي.
سكت لحظة ثم أضاف
أبي مات من زمان.
أكملت السير معه بصمت.
كان الطريق يمر بين بساتين نخيل قديمة وسواقي ماء ضيقة، حتى ظهرت أمامهما بيوت طينية متباعدة.
بيوت صغيرة يحيط بها القصب والحطب اليابس.
ثم توقف الطفل أمام بيت قديم بابه الخشبي مائل قليلًا.
صرخ بأعلى صوته
جدي جدي رجعت.
بعد لحظات خرج رجل مسن، طويل القامة، يرتدي دشداشة داكنة وعقالًا قديمًا.
توقفت عيناه فورًا عند نورة.
نظر إليها طويلًا.
ثم إلى بطنها.
شعرت نورة بأن الأرض تهتز تحت قدميها.
شدّت طرف عباءتها بسرعة.
اقترب الطفل من الرجل وقال
جدي هاي خالة نورة. لقيتها بالمقبرة.
ظل الرجل صامتًا.
ثم قال بصوت هادئ لكنه حاد
ومن أين جئتِ يا بنت الناس؟
ارتبكت نورة.
الكلمات علقت في حلقها.
قالت أخيرًا
من قرية بعيدة.
سألها
وأهلك؟
خفضت رأسها.
ما عندي أحد.
فهم الرجل أن خلف تلك الكلمات قصة لا تريد قولها.
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، ثم تنهد وابتعد عن الباب.
تفضلي.
دخلت نورة بخطوات مترددة.
كان البيت فقيرًا جدًا.
غرفة صغيرة مفروشة بحصر قديمة، ورائحة الحطب تعبئ المكان.
لكن رغم الفقر شعرت للمرة الأولى منذ هروبها بشيء يشبه الأمان.
جلس الطفل قربها بسرعة وقال بابتسامة صغيرة
اسمي علي.
نظرت إليه وابتسمت بخفوت.
تشرفت بيك يا علي.
وفي تلك الليلة، أكلت نورة أول لقمة منذ هروبها.
كانت يداها ترتجفان وهي تمسك الخبز الساخن.
لاحظ الرجل ذلك.
قال دون أن ينظر إليها
واضح إنك هاربة من مصيبة كبيرة.
تجمدت يدها.
ثم أكمل
لا تخافي أنا رجل شايب، وما لي شغل بأسرار الناس.
شعرت بشيء ساخن يحرق عينيها.
منذ أيام لم تسمع كلمة رحيمة.
وفي منتصف الليل، استيقظت فجأة على كابوس.
رأت حبيبها ممددًا على التراب والرجال يحيطون به.
سمعت صراخه.
ورأت الدم على وجهه.
شهقت وهي تستيقظ.
كانت تتنفس بصعوبة.
وفجأة سمعت صوت الطفل علي قربها
لا تخافي أنا أيضًا أخاف بالليل.
نظرت إليه.
كان جالسًا قربها، يفرك عينيه الصغيرة.
قال بخجل
بعد ما ماتت أمي صرت أخاف أنام وحدي.
مدت نورة يدها وربتت على شعره.
ثم نام الطفل قرب الحائط، بينما بقيت هي تنظر إلى سقف الغرفة حتى الفجر.
مرت الأيام ببطء.
بدأت نورة تساعد الرجل العجوز في أعمال البيت البسيطة.
تجلب الماء أحيانًا، وتعد الطعام أحيانًا أخرى.
أما علي، فتعلق بها بسرعة غريبة.
كان يتبعها في كل مكان.
إذا اختفت عن نظره للحظة، يبدأ بالبحث عنها.
وفي كل مرة كانت تنظر إليه، كانت تشعر بشيء موجع داخلها.
شيء يشبه
كانت تعرف أنها لا تستطيع البقاء طويلًا.
فالقرى الجنوبية لا تخفي الأسرار.
والناس يبدؤون بالأسئلة سريعًا.
وذات مساء، بينما كانت تجلس قرب الباب وقت الغروب، سمعت أصوات رجال بالخارج.
تجمد قلبها.
اقترب الرجل العجوز من النافذة ونظر بحذر.
ثم عاد إليها بسرعة.
ادخلي للغرفة فورًا.
شحب وجهها.
لماذا؟
قال بصوت منخفض
هناك رجال غرباء يسألون عن فتاة هاربة.
شعرت بأن الدم اختفى من وجهها.
أمسكت بطنها بخوف.
ثم سمعت أحد الرجال بالخارج يقول
سمعنا أنها مرت من هذه المناطق.
كان صوتًا خشنًا مخيفًا.
اقترب علي منها بسرعة وتمسك بثوبها.
أما الرجل العجوز فخرج إليهم بهدوء.
ظلت نورة تسمع الكلام من بعيد دون أن ترى شيئًا.
ما شفنا أحد.
أكيد؟
قلت لكم لا.
طال الصمت للحظات.
ثم ابتعدت الأصوات أخيرًا.
لكن نورة لم تستطع التنفس.
كانت ترتجف بقوة.
عاد الرجل العجوز بعد دقائق وأغلق الباب جيدًا.
ثم التفت إليها.
هؤلاء من جماعتك؟
انفجرت بالبكاء للمرة الأولى منذ هروبها.
غطت وجهها بيديها وقالت بصوت مكسور
يريدون قتلي.
سكت الرجل طويلًا.
رفعت رأسها بصدمة.
فقال بهدوء
أنا عشت عمرًا طويلًا يا بنتي وأعرف هذه القصص جيدًا.
انهارت أكثر.
أما علي فاقترب منها واحتضن ذراعها الصغيرة.
لا تبكين.
بكت بصمت.
لم تكن تبكي خوفًا من الموت فقط.
بل لأنها لأول مرة تقول الحقيقة بصوت مسموع.
وفي تلك الليلة، جلس الرجل العجوز خارج البيت حتى الفجر يحمل بندقيته القديمة.
أما نورة، فكانت تنظر إليه من خلف الباب وهي تشعر أن الله أرسل لها هذا البيت في آخر لحظة قبل أن تضيع.
بعد أسابيع قليلة، اشتد عليها التعب.
أصبحت بالكاد
وفي ليلة باردة، بدأ الألم يمزق جسدها.
عرف الرجل العجوز فورًا ما يحدث.
خرج مسرعًا إلى بيت امرأة كبيرة في القرية تساعد النساء وقت الولادة.
أما نورة، فكانت تتلوى من الألم فوق الفراش القديم.
كانت تبكي بصمت وتتمسك بيد علي بقوة.
والطفل الصغير كان يبكي معها دون أن يفهم شيئًا.
وقبل الفجر بقليل، امتلأت الغرفة بصوت طفل صغير.
توقف كل شيء للحظة.
نظرت نورة إلى طفلها بعينين متعبتين.
ثم بدأت تبكي.
لم تبكِ خوفًا هذه المرة.
بل لأن ذلك الطفل كان الشيء الوحيد الذي بقي لها من الرجل الذي أحبته.
اقترب علي ببطء ونظر إلى الرضيع بدهشة.
ثم ابتسم للمرة الأولى منذ وفاة أمه.
وقال بصوت صغير
صار عندي أخ؟
ضحكت نورة وسط دموعها.
أما الرجل العجوز فوقف عند الباب ينظر إليهم بصمت طويل.
ثم رفع عينيه إلى السماء وتمتم
يا رب استرهم من قسوة البشر.
مرت الشهور بعدها ثقيلة لكنها هادئة.
وأصبحت نورة جزءًا من البيت الصغير.
لكن الماضي لم يكن يتركها.
في كل ليلة كانت تخاف أن تسمع وقع الخيول أو صراخ الرجال قرب البيت.
وفي كل صباح كانت تنظر إلى الطريق الطويل وهي تتوقع أن يظهر أحدهم فجأة.
لكن الأيام استمرت.
وكبر الطفلان معًا.
علي لم يعد يناديها نورة.
أصبح يقول لها
يمّه نورة.
وفي كل مرة كانت تسمعها، يمتلئ قلبها بشيء مؤلم ودافئ في الوقت نفسه.
أما ابنها الصغير، فكان يشبه أباه كثيرًا.
نفس العينين.
نفس الملامح.
وكلما كبر أكثر، كانت تخاف أكثر.
لأن الوجوه لا تخفي الدم.
وذات عصر، بينما كانت تجمع الملابس قرب البيت، رأت ثلاثة رجال يقفون بعيدًا عند الطريق الترابي.
تجمد جسدها.
كانت تعرف تلك الوقفة.
وتعرف تلك العيون.
رجال من عشيرتها.
دخلت إلى البيت بسرعة وهي ترتجف.
رفع الرجل العجوز رأسه فورًا.
ماذا هناك؟
قالت بصوت مخنوق
وجدوني.
ساد الصمت داخل البيت.
أما علي فاقترب من نورة