زوج أمي الفقير ربّاني 18 سنة… وفي يوم جنازتها اكتشفت أن اسمي مخفي داخل إمبراطورية مليارية في بغداد!

لمحة نيوز

أُمك قالت لي شيئًا قبل أن تموت.
ظلّ طارق ممسكًا بباب الغرفة، كأنه لا يريد أن يسمح لي بالخروج، وفي الوقت نفسه يعرف أنه لم يعد قادرًا على منعي.
ماذا قالت لك؟
خفض عينيه.
كانت أظافره مقضومة، وقميصه ملطخًا برماد السكائر، وعلى وجهه تعب قديم جدًا، كأنه صار جزءًا من جلده.
قالت لي إذا سارة يومًا عرفت مَن جابها للدنيا قل لها لا تروح تدور على الحنان. تروح تطلب الحقيقة. ولا تخجل أبدًا من الرجل اللي ربّاها فعلًا.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
طارق لم يكن يومًا رجل أحضان أو كلام طويل.
كان قاسيًا، يابسًا، مكسورًا من الدنيا بطريقة جعلته يبدو دائمًا وكأنه مستعد للشجار مع الحياة كلها.
لكن في تلك اللحظة بدا صغيرًا.
كأن شيئًا انتُزع منه هو أيضًا.
وأنت؟ سألته ماذا تريد مني أن أفعل؟
لأول مرة منذ سنوات، نظر في عيني مباشرة دون أن يهرب.
أريدك ترجعين سالمة ولا تسمحين لهؤلاء الأغنياء أن يجعلوكِ تشعرين أنكِ أقل منهم.
خرجت والظرف داخل حقيبتي، وقلبي يضرب ضلوعي بعنف.
كان مكتب رائد السامرائي داخل بناية قديمة في وسط بغداد.
من تلك البنايات التي تبدو من الخارج متعبة ومنتهية، لكن داخلها ما زال يحتفظ بسجاد ثقيل، وخشب غالٍ، وأسرار أغلى.
نظرت إليّ موظفة الاستقبال من رأسي حتى حذائي عندما قلت اسمي.
لم تسأل عن موعد.
لم تعترض.
وقفت فقط، وأخذتني مباشرة إلى مكتب في آخر الممر.
كان رائد السامرائي قد تجاوز الستين.
شعره أبيض بالكامل، وعيناه تبدوان كأنهما قرأتا مآسي أكثر مما يجب على أي إنسان.
ما إن رآني حتى خلع نظارته ببطء.
أنتِ تشبهينه جدًا قال.
ليتني لا أفعل.
لم يبتسم.
طلب مني الجلوس، ثم وضع أمامي ملفًا أزرق سميكًا، مكتوبًا عليه اسمي الكامل
سارة الجبوري.
اسم أمي.
ليس الساعدي.
لم أسأله شيئًا.


انتظرت فقط.
تعرّفت على أمك قبل ستة عشر عامًا قال جاءت إلى هنا بفستان بسيط جدًا، وكدمة على ذراعها، وكرامة كانت تملأ المكتب كله. كان كريم الساعدي قد عرض عليها مبلغًا شهريًا مقابل صمتها. لكنها لم تأتِ لتطلب المزيد من المال جاءت تسأل كيف تحميكِ دون أن تضطر لرؤيته مرة أخرى.
انعقد شيء في حلقي.
ولماذا أنت؟
لأنني كنت محامي مجموعة الساعدي وقتها. ولأن أمك كانت تعرف شيئًا لا يعرفه إلا عدد قليل جدًا من الناس تلك العائلة بنت ثروتها فوق أكاذيب.
فتح الملف.
نسخ تحويلات.
عقود.
كشوفات حسابات.
قصاصات جرائد تحمل نفس العلامات الحمراء التي رأيتها داخل البيت.
لكن كانت هناك أشياء أسوأ.
تقارير داخلية.
أسماء شركات وهمية.
تواقيع متكررة.
قروض يجري تدويرها بين الشركات التابعة.
أمك تعلمت قراءة الميزانيات أفضل من كثير من المحاسبين أكمل أنا علمتها الأساسيات. والباقي تعلمته وحدها. كانت تأتي مرة كل شهر. أحيانًا خائفة. أحيانًا غاضبة. دائمًا تحمل دفترًا صغيرًا. كانت تقول إنه إذا لم تستطع أن تمنحكِ طفولة الأغنياء، فعلى الأقل ستمنحكِ مستقبلًا لا يستطيع أحد فيه أن يدوسكِ.
أسندت ظهري إلى الكرسي وأنا أشعر بالدوار.
والمال؟ هناك أكثر من خمسين مليونًا ناقصة.
رتّب رائد ورقة أخرى أمامي.
لم يكن دفتر توفير.
كان صندوقًا استثماريًا.
واسمي موجود عليه.
تاريخ الإنشاء عندما كان عمري تسع سنوات.
أمك تركت أربعة عشر مليونًا وستمئة ألف نقدًا لأنها أرادت أن تتركي شيئًا فوريًا، شيئًا نظيفًا، شيئًا تستطيعين لمسه دون الحاجة لأحد قال أما الباقي فاستثمرناه. ليس لكي تصبحي ثرية بل لكي تصبحي حرة.
لم أفهم حتى أراني الصفحة التالية.
حصص.
أسهم.
ديون تم شراؤها بأسعار منخفضة.
كلها مرتبطة بشركات مجموعة الساعدي.

أجزاء صغيرة.
اشتُريت خلال سنوات طويلة.
بصبر.
وبصمت.
كأن أمي كانت تنتزع أجزاء منهم بإبرة خياطة.
في البداية كانت تريد فقط تأمين مستقبلك قال رائد لكن بعدها بدأت تلاحظ أن المجموعة تخفي خسائر كبيرة. الابن، سامر، جعل كل شيء أسوأ. أغرق نفسه بالديون ليلعب دور رجل الأعمال. وقّع مشاريع مبالغًا فيها، مستشفيات نصف منجزة، ومجمعات لم تنجح أبدًا. أمك فهمت أن القصر سيتصدع يومًا ما وقررت انتظار اللحظة المناسبة.
لماذا؟
نظر إليّ بشيء يشبه الاحترام.
حتى عندما تعرفين الحقيقة، لا تدخلي تلك العائلة كمتسولة بل كشخص لا يستطيعون تجاهله.
شعرت برغبة في البكاء والصراخ معًا.
أمي، بكنزاتها القديمة وأصابعها المثقوبة بالإبر، أمضت سنوات تفكك بصمت الناس الذين أهانوا حياتها.
هناك شيء آخر قال.
أخرج ظرفًا مختومًا بالشمع.
عرفت خط أمي قبل أن أفتحه.
سارة
إذا كنتِ تقرئين هذا، فأنا لم أعد قادرة على الكلام.
سامحيني لأنني أخفيت عنكِ أشياء كثيرة.
لم أخفِ الحقيقة لأنني شككت بكِ، بل لأنني عرفت قسوة هؤلاء الناس، ولم أكن سأسمح لهم بأن يلمسوكِ.
والدك الحقيقي ليس الرجل الذي حملكِ عندما ارتفعت حرارتكِ، ولا الذي رهن أدواته ليشتري لكِ حذاء المدرسة، ولا الذي علّمكِ ركوب الدراجة رغم تعبه.
ذلك الرجل هو طارق.
أما الباقي فمجرد دم.
والدم أحيانًا لا يفعل سوى تلطيخ الأشياء.
لكن هناك ديونًا لا يدفعها الزمن.
بل الحقيقة.
لا تتوسلي حبهم.
لا تنحني.
وإذا قررتِ النظر في وجوههم، فافعليها وأنتِ واقفة.
وتذكري شيئًا يا ابنتي
أنا لم أجمع كل هذا لكي تنتقمي.
جمعته حتى لا تخافي مرة أخرى.
لم أستطع إكمال القراءة.
سقطت دموعي فوق الورقة.
تركني رائد أبكي بصمت.
ثم دفع نحوي كوب ماء.
غدًا الاجتماع السنوي لمجموعة الساعدي قال
أمك تركت تعليمات دقيقة جدًا. إذا أردتِ، كان عليّ أن أسلمكِ كل شيء اليوم. وإذا قررتِ عدم فعل شيء، نحرق الملف وتأخذين المال وترحلين. لكن إذا قررتِ الدخول فستدخلين بقوة.
رفعت رأسي.
إلى أي درجة؟
بما يكفي لتخربي صباحهم وربما حياتهم كلها.
لا أتذكر أنني قلت نعم.
لكن بعد ساعة كنت داخل غرفتي، والملف مفتوح أمامي، أقرأ كل ورقة حتى اختلطت الحروف بعيني.
كان كريم الساعدي قد وقّع قبل سنوات اعترافًا سريًا بالأبوة.
ليس علنيًا.
ليس شريفًا.
ليس محترمًا.
ورقة جبانة مخفية داخل خزنة، حتى يضمن أنه إذا تمت مقاضاته يومًا يستطيع التفاوض قبل الفضيحة.
وجودي كله كان محفوظًا كخطر قانوني.
هذا ما قتل خوفي أخيرًا.
في صباح اليوم التالي ارتديت البلوزة البيج التي اشترتها لي أمي في تنزيلات العام الماضي.
ربطت شعري.
حددت عيني كما كانت تفعل عندما تريد أن تبدو قوية.
وقبل أن أخرج، أوقفني طارق.
ظننته سيقول شيئًا كبيرًا.
لكنه فقط عدّل ياقة البلوزة.
لا تطأطئين رأسكِ همس.
أُقيم الاجتماع في أحد فنادق العائلة.
رخام أبيض.
زهور مستوردة.
هواء بارد.
وأناس تفوح منهم رائحة المال من بعيد.
لم يكن أحد ليسمح لي بالدخول وحدي، لكنني دخلت إلى جانب رائد السامرائي، وفجأة بدأ الجميع يتصرف وكأنني أنتمي إلى ذلك المكان.
رأيت سامر أولًا.
بدلة كحلية.
ساعة فاحشة الثمن.
وابتسامة إعلانات فارغة.
كان أطول مما تخيلت.
وأجوف أكثر.
كان يتحدث مع مستثمرين عندما التفت نحوي.
تجمّد لثانيتين، ينظر إلى وجهي كأنه يرى صورة قديمة لوالده في نسخة أصغر وأفقر.
ثم رأيت رنا.
ما زالت جميلة بطريقة مؤذية.
النوع الذي يتقدم بالعمر دون أن يصبح أقل خطورة.
تفحصت ملابسي.
حذائي.
حقيبتي البسيطة.
ثم توقفت عند وجهي.
وفهمت.
ليس لأن أحدًا أخبرها.

بل لأن الحقيقة أحيانًا تدخل مثل سكين.
دون استئذان.
كان كريم في آخر القاعة يراجع أوراقًا.
وحين رفع عينيه نحوي، شحب وجهه.
لم تكن ردة فعل أنيقة.
ولا
تم نسخ الرابط