كانت تناديني وأنا أربي طفلتي وحدي… حتى بكت يومًا وهي تحمل تحليل حمل بيدها

لمحة نيوز

أحتاجك كررتها أمي، كأن هاتين الكلمتين قادرتان على مسح كل المرات التي احتجتها فيها، وكانت تتحول إلى حجر.
الطفل الذي كان في العربة أطلق بكاءً حادًا آخر، ووجهه أحمر وقبضتاه الصغيرتان مغلقتان.
والآخر كان يتلوى بين ذراعيها يبحث عن الحليب، مع أنها لم يعد لديها حليب، وبالكاد كانت تستطيع حمله دون أن ترتجف يداها.
نظرت إليها جيدًا.
حقًا نظرت إليها.
كان شعرها دهنيًا مربوطًا بربطة قديمة، والهالات تحت عينيها مثل الكدمات، وبلوزتها ملطخة، وأظافرها مقضومة.
كانت تبدو كما كنت أشعر وأنا في السادسة عشرة
وحيدة.
غارقة.
مرعوبة.
ومع ذلك، لم أشعر بالانتقام.
شعرت بالحزن.
لأنني لم أكن أريد أن أراها محطمة.
كنت أريد فقط لو أنها فهمت يومًا قبل أن تكسرني.
وأنا أيضًا احتجتكِ، يمّه قلت لها، وأنا أخفض صوتي حتى لا أخيف الطفلين أكثر احتجتكِ عندما كانت طفلتي تبكي طوال الليل، وكان عندي امتحان في اليوم التالي. احتجتكِ عندما كنت أرجع بقدميّ منتفختين من تنظيف البيوت، وأنتِ تطلبين الإيجار قبل أن تسأليني إن كنت أكلت. احتجتكِ عندما كانت البنت حرارتها مرتفعة، وقلتِ لي لا تعملي ضجة، لأن الأطفال يمرضون بسبب أمهات غبيات.
شدّت فمها.
كان كبرياؤها ما زال يحاول الخروج، لكن التعب كان يبتلعه.
كنت غاضبة تمتمت.
غاضبة من مَن؟ مني؟ من طفلة؟ من الحياة؟ لأنكِ جعلتِني أدفع غضب الجميع.
كانت طفلتي جالسة قرب النافذة، حقيبتها.
كان عمرها سبع سنوات، لكن عينيها رأتا أشياء أكثر مما يجب.
عندما سمعت جدتها تبكي، لم تركض لتواسيها.
بقيت ثابتة، مثل الأطفال الذين يتعلمون مبكرًا أن الكبار

قد يصبحون خطرين أيضًا عندما ينكسرون.
انتبهت أمي.
نظرت إلى طفلتي، والتوى وجهها.
تعالي عند جدتكِ.
لم تتحرك طفلتي.
لا أريد قالت بصوت منخفض.
ذلك ال لا أريد وقع أقوى من أي صراخ.
أغمضت أمي عينيها، ولأول مرة بدت كأنها فهمت أن كلماتها لم تبقَ داخلي فقط.
لقد لطخت الجدران.
والطاولة.
والصباحات.
وطفولة ابنتي.
أنا لا أترككِ قلت لها لكنني سأرحل. وقّعت العقد. دفعت التأمين. عندي شغل ثابت في المكتب، وابنتي تسجلت في مدرسة قريبة من الشقة.
وأنا ماذا أفعل بهما؟ قالتها وكأنها تعاتبني، وهي تشير إلى التوأم كأنهما عقوبة.
نفس الشيء الذي فعلته أنا. تتعلمين.
نظرت إليّ بغضب.
الكلام سهل عليكِ.
بقيت الكلمة معلقة.
سهل.
ليست الرخيصة، لكنها قريبة جدًا.
رأيت كيف ندمت قبل أن تكمل الجملة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بحزن قديم.
لا، يمّه. لم يكن سهلًا أبدًا. لا شيء من هذا كان سهلًا. أنتِ جعلتِه قاسيًا.
في تلك الليلة لم أجادل أكثر.
دخلت غرفة طفلتي وبدأت أجمع أغراضنا في كراتين حفاضات.
كتبي.
ملابسها المدرسية.
دب صغير بلا عين.
شهادتي الجامعية داخل إطار.
صور كنت أبتسم فيها ابتسامة مجبورة وطفلتي بين ذراعي.
أمي لم تدخل.
فقط كنت أسمع بكاءها في الصالة بينما كان التوأم يبكي معها، الثلاثة ضائعون، والثلاثة مرهقون.
عند منتصف الليل، استيقظت طفلتي مفزوعة.
ماما قالت وهي تشد كمّي عندما نرحل هل ستتوقف جدتي عن قولي إني سأصبح مثلكِ؟
شعرت أن شيئًا انكسر داخلي.
قالت لكِ هذا؟
أنزلت عينيها.
مرة سكبت الماء فقالت إني سأطلع مثلكِ رخيصة.
لم أستطع التنفس.
وقفت بسرعة حتى احتك الكرسي
بالأرض.
فتحت الباب ووجدت أمي في المطبخ تسخن رضاعة.
رأت وجهي، وعرفت أن شيئًا حصل.
حتى هي؟ سألتها.
شنو؟
حتى طفلتي قلتِ لها هذه الكلمة؟
تجمدت أمي في مكانها.
الرضاعة كانت تسخن أكثر من اللازم على النار.
لا أتذكر.
طبعًا لا تتذكرين.
أطفأت النار، وأخذت الرضاعة ووضعتها على الطاولة بقوة حتى تناثر الحليب.
اسمعيني جيدًا. أنا قلتِ لي ما تريدين لأنني كنت طفلة ولم يكن عندي مكان أذهب إليه. لكن ابنتي لا. عندها ينتهي كل شيء. معها يتوقف سُمّك.
فتحت أمي فمها، لكن لم يخرج شيء.
ربما لأنها كانت تعرف أن هذه المرة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
بعد أسبوعين، رحلت.
لم تكن هناك وداع جميل.
جارة الطابق الرابع ساعدتني في إنزال صندوقين.
طفلتي حملت حقيبتها الوردية، وأنا حملت حياتي داخل أكياس سوداء.
أمي كانت واقفة عند الباب، تحمل طفلًا في كل ذراع.
بدت أصغر من أي وقت مضى.
بنتي قالت بصوت مكسور أرجوكِ.
توقفت عند آخر درجة.
لا تناديني بنتي فقط عندما تخافين.
ارتجفت ذقنها.
سامحيني.
كنت أريد أن أقول شيئًا قاسيًا.
شيئًا يجعلها تشعر ولو بجزء صغير مما شعرت به أنا.
لكن طفلتي شدّت يدي، وفهمت أن القوة ليست أن تؤذي من آذاك.
القوة أن ترحل دون أن تصبح مثله.
يومًا ما سنتكلم عن السماح قلت لها اليوم أنا فقط أنقذ ابنتي.
تحرك التاكسي.
ألصقت طفلتي جبهتها بالنافذة.
وعندما اختفى البيت عند آخر الشارع، أخرجت الهواء من صدرها كأنها كانت تحبسه منذ ولادتها.
كانت شقتنا صغيرة.
في أحد الجدران رطوبة، والنافذة تطل على أسلاك الكهرباء.
لكن في أول ليلة، بينما كنا نأكل شوربة سريعة التحضير
ونحن جالستان على الأرض، سألتني طفلتي
هنا ما حد راح يحاسبنا إذا بكينا؟
هنا نقدر نبكي، ونضحك، ونغني، ونتحمم بماء ساخن بدون ما نستأذن أحد.
ابتسمت.
وتلك الابتسامة أكدت لي أن رحيلي كان أصعب قرار وأصح قرار في حياتي.
أمي اتصلت كل يوم خلال الشهر الأول.
في البداية لم أرد.
ثم بدأت أجيب فقط من أجل الطفلين.
أعطيتها أرقام حضانات رخيصة.
شرحت لها كيف تطلب المساعدة من المركز المجتمعي.
أعطيتها ملابس لم تعد ابنتي تحتاجها.
لكن عندما كانت تقول
تعالي كم ساعة حتى أنام شوي.
كنت أضع حدودًا.
أجي السبت من أربعة للستة فقط. أكثر لا.
لكنهم إخوتكِ.
وهم أطفالكِ أيضًا.
كان ذلك يغضبها.
تغلق الخط.
ترسل تسجيلات صوتية وهي تبكي.
ثم تعود وتتصل.
الحياة كانت تربيها بالقوة.
مرت شهور.
ثم
سنوات.
أمي كبرت بسرعة.
اشتغلت بتنظيف المكاتب ليلًا.
وفي النهار كانت تعتني بعلي وحسن.
أحيانًا كنت أراها في السوق، والطفلان متعلقان بعباءتها، وهي تعدّ النقود لتشتري البيض.
ولن أكذب.
كان ذلك يؤلمني.
يؤلمني لأنها تبقى أمي.
لكنني كنت أتذكر أيضًا عمري حين كان ستة عشر عامًا.
تعبي.
جوعي.
يديّ المتشققتين من مواد التنظيف.
ولم أكن أخلط بين الشفقة والسجن.
في فجر يوم ثلاثاء، اتصلت بي وهي تبكي.
حسن حرارته مرتفعة جدًا. ما أعرف شسوي. ما عندي أجرة تكسي. أرجوكِ.
خرجت دون تفكير.
تركت طفلتي عند الجارة، وركضت إلى بيتها.
وجدتها حافية القدمين، تحمل حسن بين ذراعيها، ووجهها مليء بالرعب.
راح يموت مني كانت تكرر راح يموت مني.
لا تكولين هيج. أعطيني منشفة. نروح للمستشفى.
في الطوارئ، بينما كنا ننتظر،
وعلي نائم متكورًا فوق ساقيّ.
أمي لم تتكلم.
فقط كانت تنظر إلى الممرات البيضاء، كأنها دخلت أخيرًا إلى النفق نفسه الذي عشت داخله سنوات طويلة.

تم نسخ الرابط