اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة ثلاث سنوات كاملة.. أطعمتُه بيدي، وبدّلتُ ثيابه، وسهرتُ بجوار سريره كل ليلة
الجزء الثاني
كان هناك رجل يدخل غرفة زوجي.
وفي تلك اللحظة دخلت سعاد إلى المطبخ وهي تهمهم بصوتٍ خافت بينما تحرّك قدر الطعام على النار.
راقبتها بصمت.
كانت امرأة بسيطة تجاوزت الخمسين، تعمل عندي منذ الحادث، ولم أرَ منها يومًا ما يدعو للشك.
ومع ذلك سألتها:
— سعاد… هل جاء أحد إلى البيت اليوم؟
رفعت رأسها باستغراب واضح.
— لا يا سيدتي، لم يأتِ أحد غير الدكتورة رانيا صباحًا، وبعدها عامل الأوكسجين وضع الأسطوانات عند الباب وغادر.
— ومتأكدة أن أحدًا لم يصعد إلى الأعلى؟
— أقسم بالله لم يحدث ذلك.
كانت صادقة… أو هكذا بدا لي.
لكنني تلك الليلة لم أنم.
ظللت مستلقية قرب كريم أراقبه في الظلام.
للمرة الأولى منذ سنوات… لم أمسك يده.
كنت فقط أحدّق في وجهه وأنتظر أن يفتح عينيه فجأة ويقول إنني أتخيّل كل شيء.
لكنه بقي ساكنًا.
باردًا.
صامتًا.
وفي اليوم التالي، اشتريت كاميرا مراقبة صغيرة مخفية داخل مقبس كهربائي.
ركّبتها بنفسي في غرفته دون أن أخبر أحدًا.
مرّ اليوم الأول… لا شيء.
الثاني… لا شيء.
الثالث… كل شيء طبيعي بصورة جعلتني أشعر بالخجل من نفسي.
لكن في الليلة الرابعة…
عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل…
انقطعت الإشارة فجأة.
امتلأت شاشة هاتفي بالتشويش، ثم تحوّلت إلى السواد الكامل.
وظلّت هكذا ساعة كاملة.
وعندما عادت الصورة…
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
كريم ما زال على السرير، نعم…
لكن يده لم
كانت فوق بطنه، وأصابعه متدلّية من حافة الفراش، كأن أحدًا حرّكها قبل لحظات.
تجمّدتُ تمامًا.
لم يكن ذلك تشويشًا.
أحدهم دخل الغرفة.
وأحدهم عطّل الكاميرا عمدًا.
وفي اليوم التالي، أخبرت الجميع أن لديّ رحلة عمل عاجلة إلى دبي لثلاثة أيام.
بدت سعاد قلقة عليّ كعادتها.
أما الدكتورة رانيا…
فاكتفت بابتسامة هادئة وقالت:
— لا تقلقي، كريم سيكون بخير.
شيءٌ في نظرتها أخافني.
لم تكن نظرة طبيبة.
كانت نظرة شخصٍ يخفي سرًا.
خرجتُ بالحقيبة أمام الجميع… لكنني لم أذهب إلى المطار.
استأجرت غرفة صغيرة في فندق قريب، ثم عدت بعد منتصف الليل إلى الفيلا من الطريق الخلفي.
اختبأت بين الأشجار أراقب نافذة غرفة كريم.
وعند الثانية تمامًا…
دخلت سيارة سوداء من الباب الخلفي.
كانت الدكتورة رانيا.
لم تطرق الباب.
استعملت مفتاحًا ودخلت وكأن البيت بيتها.
خلعتُ حذائي، ثم تسلّقت شجرة الجهنمية القديمة حتى الشرفة.
مزّقت الأشواك ذراعي، لكنني لم أشعر بشيء.
اقتربت من الزجاج، وأبعدت الستارة قليلًا…
ثم انهارت المرأة التي كنتها طوال ثلاث سنوات.
كريم…
كان جالسًا على السرير.
ليس فاقدًا للوعي.
وليس عاجزًا.
بل جالسًا بكامل وعيه.
ثم وقف بهدوء، ومدّ كتفيه بتعب، واتجه نحو الطاولة ليصب لنفسه كوب ماء.
كان يمشي طبيعيًا.
بثبات.
كرجلٍ لم يكن مريضًا يومًا.
جلست رانيا على الأريكة، ثم قالت بضيق:
— لقد تعبت
طفلنا.
شعرت بالأرض تميد تحت قدمي.
ثم ضحك كريم…
تلك الضحكة التي انتظرت سماعها ثلاث سنوات كاملة…
الضحكة نفسها التي كنت مستعدة يومًا أن أهب عمري كله مقابل أن أسمعها مرة أخرى.
ضحك كريم.
ليس بصوتٍ عالٍ…
ولا كضحكة رجلٍ سعيد.
بل بتلك الطمأنينة الباردة لرجلٍ اعتاد خداع امرأةٍ تشاركه البيت نفسه، وتطعمه بيديها، وتغيّر له ثيابه، وتجلس كل ليلةٍ بجواره تقرأ له القرآن وتدعو الله أن يشفيه.
بقيتُ ملتصقة بزجاج الشرفة، ويدي ترتجفان فوق الحائط البارد، بينما أشواك الجهنمية مغروسة في جلدي دون أن أشعر بالألم.
نهضت الدكتورة رانيا من الأريكة، وعدّلت ياقة قميصه ثم وضعت يدها على بطنها المنتفخ قليلًا.
— سارة ستعود بعد ثلاثة أيام… ما زال أمامنا وقت لنُنهي كل شيء.
شعرتُ بقلبي يتوقّف.
تناول كريم كأس الماء، ثم اتجه نحو الخزانة الكبيرة في زاوية الغرفة.
ضغط على نقطة صغيرة في الخشب رأيتها مئات المرات من قبل دون أن أنتبه إليها.
وفجأة…
تحرّك جزء من الجدار إلى الداخل ببطء.
لم تكن خزانة.
كانت بابًا سرّيًا.
وخلفه ظهر درج ضيّق مضاء بضوءٍ أصفر خافت.
داخل بيتي…
داخل الغرفة التي بكيتُ فيها ثلاث سنوات كاملة.
نزل كريم أولًا، وتبعته رانيا.
انتظرتُ ثواني قليلة، ثم دخلتُ من الشرفة بعدما شعرت أن قلبي سيقفز من صدري من شدّة الخفقان.
كانت الغرفة تفوح برائحة العطر الرجالي والدخان.
أما السرير…
فكان دافئًا.
دافئًا كأن زوجي نهض منه قبل دقائق، لا كرجلٍ يفترض أنه غارق في غيبوبة منذ سنوات.
اقتربتُ من الخزانة ودفعـت اللوح الخشبي بحذر.
كان الدرج يقود إلى قبوٍ لم أكن أعلم أصلًا بوجوده تحت المنزل.
ومع كل درجةٍ كنت أنزلها… كنت أشعر أن جزءًا مني يتحطّم.
في الأسفل ظهرت غرفة واسعة مجهّزة بالكامل.
أريكة فاخرة.
ثلاجة صغيرة.
ملابس رجالية.
علب سجائر وسيجار.
حاسوب مفتوح.
وجدار كامل معلّق عليه عشرات الملفات والأوراق.
لم يكن مخبأً مؤقتًا…
بل حياة كاملة مخفية داخل بيتي.
رأيت صورًا لكريم داخل مطاعم وفنادق ومنتجعات بحرية، دائمًا ليلًا، يضع قبعة أو نظارة حتى لا يعرفه أحد.
ورأيت إيصالات سفر.
وحسابات بنكية.
وفواتير أدوية مزوّرة.
ثم وقعت عيناي على ملفٍّ يحمل اسمي.
تجمّدتُ مكاني.
فتحته بيدين مرتجفتين…
فوجدت نسخًا من توقيعاتي، وتحويلات مالية من حساباتي، ووثيقة تأمين على حياتي، ومسودّة طلب لإثبات أنني أعاني اضطرابًا نفسيًا بسبب “الحزن المرضي والوسواس والبارانويا”.
وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ.
فوقي مباشرة سمعت خطوات تقترب.
اختبأت بسرعة خلف عمودٍ إسمنتي.
دخل كريم القبو ومعه رانيا.
فتح الحاسوب بينما أخرجت هي وحدة تخزين صغيرة من حقيبتها.
قال كريم ببرود:
— عندما توقّع سارة على بيع أرض البقاع… سنغادر نهائيًا. لم أعد أحتمل التمثيل
— وماذا لو بدأت تشكّ؟ —سألته رانيا.
ابتسم بسخرية.
— هي تشك بالفعل… لذلك أخبرتها بحكاية السفر إلى دبي. كنت أريد أن أرى ماذا ستفعل.
عضضتُ يدي بقوة حتى لا يصدر مني صوت.
إذًا…
كان يعلم.
ربما رآني أزرع الكاميرا.
وربما كان يراقبني منذ سنوات من هذا المكان، بينما كنت أبكي فوق جسده وأقرأ له القرآن كل ليلة.
وضعت رانيا وحدة التخزين فوق الطاولة وقالت بقلق:
— سعاد بدأت تلاحظ بعض الأشياء… سألتني عن رائحة الدخان.
تغيّرت ملامح كريم فورًا.
— إذًا سترحل… مثلما رحلت هناء.
تجمّد الدم في عروقي.
هناء…