ابني يوسف

لمحة نيوز

كل ليلة كان ابني “يُوسُف” بيدخل الحمام وياخد دش في الساعة 3 فجرًا، وكنت أقول لنفسي إن الأمر مجرد ضغط وتوتر—إلى أن قادني الفضول لأتسلل نحو باب الحمّام، وهناك رأيت شيئًا مرعبًا، مألوفًا بشكل مؤلم، وشريرًا لدرجة أنني غادرت شقته في القاهرة إلى مجتمع للمتقاعدين مع شروق الشمس… لكنني لم أستطع أن أتركها خلفي…
في الليلة التي سمعت فيها صوت الدش يفتح في الثالثة صباحًا، رأيت الوجه الحقيقي لابني.
كان صوت الماء يضرب الجدار بجوار سريري في الظلام. نهضت من مكاني وخرجت في الممر بقدميّ الحافيتين، أتبع الصوت حتى وصلت إلى الحمّام الرئيسي. الباب لم يكن مغلقًا بالكامل.
نظرت من الفتحة… وتجمّدت.
كان “يوسف” يقف هناك ببنطال بيجامة مبلل، يلفّ قبضته في شعر زوجته “مريم”، ويجبرها على الوقوف تحت الدش البارد وهي بملابسها كاملة. الماء كان ينساب من أكمامها، أسنانها تصطك من البرد، وانحنى قرب أذنها وقال: “تجرؤين تردّي عليّ تاني؟”
ثم صفعها.
ترنّحت “مريم”، شفتيها ترتجفان، لكنها لم تصرخ. فقط أصدرت صوتًا مكتومًا، كأنها تعلم أن الصراخ يزيد الألم ثمنًا.
كنت أعرف تمامًا ما أراه. كنت متزوجة من رجل عنيف لسنوات طويلة. أعرف القبضة، الهمس، والعقاب بعد إغلاق الباب.
كنت في الخامسة والستين، وقد تقاعدت حديثًا، عندما أصر “يوسف” أن أنتقل للعيش في شقته الفاخرة في أحد أبراج القاهرة. جاء بسيارة سوداء، حمل حقائبي، وقال: “يا أمي، مش هعرف أركز في شغلي إلا وأنا مطمّن عليكِ.”
كان يبدو آمنًا ببدلته الأنيقة. استقبلتني

“مريم” بابتسامة حذرة ولمسات هادئة، لكن على العشاء كانت ترتجف كلما تحدث.
“مريم، هاتي لأمي شوية شوربة.” “مريم، ليه قاعدة كده؟”
لم يكن يرفع صوته… لم يكن يحتاج.
ثم بدأت حوادث الحمّام.
كل ليلة في الساعة 3:00 صباحًا بالضبط، كان صوت الماء يدوّي خلف الجدار. في البداية قال “يوسف” إنه ضغط العمل. “مريم” تجمّدت والملعقة في يدها، ثم ابتسمت بسرعة وأيدته.
تكرر الأمر… مرة بعد مرة.
لم أعد أنام. بدأت ألاحظ الكدمات على معصم “مريم”، والعيون المنتفخة التي كانت تبررها بالحساسية، والطريقة التي كانت تنظر بها إلى وجهه قبل الرد على أي سؤال بسيط.
سألتها مرة بهدوء: “هل يوسف عمل لكِ كده؟”
ارتجفت لدرجة أنها كادت تُسقط لوح التقطيع: “لا يا ماما… خبطت في المكتب.”
كانت تلك نوعية الكذبة التي تقولها النساء عندما يكون الصدق أخطر من الكدمة.
قلت ليوسف: “ماتقومش تفتح الدش الساعة 3 الفجر كده كل يوم.”
تغيّر وجهه بالكامل. دفء اختفى. فكه شدّ بقوة. “اتمتعي بقاعدتك في التقاعد، ومتدخليش في شغلي.”
ثم أغلق الباب بعنف لدرجة أن صورة على الطاولة اهتزت.
وفي الليلة التي رأيته فيها يمسك شعر “مريم”، كانت الصورة قد اكتملت.
أتمنى أن أقول إنني اقتحمت الباب… لكنني لم أفعل.
جسدي تذكّر زوجي الراحل قبل أن يفهم عقلي ما يحدث. تراجعت، ركضت إلى غرفتي، وبكيت تحت الغطاء بينما صوت الماء لا يتوقف.
في الصباح التالي، قلت لهم إنني سأغادر.
“يوسف” اعترض لأنه لا يريد مظهرًا سيئًا. “مريم” بكت لأنها اعتقدت أنني أتركها وحدها. لكنني
حزمت أمتعتي وانتقلت إلى مجتمع هادئ على أطراف القاهرة.
لكن الليل لم يكن هادئًا في داخلي. كنت أرى شعر “مريم” المبلل على وجهها وأسمع الصفعة مع صوت الماء.
ثم أخبرتني زميلة قديمة في العمل شيئًا غيّر كل شيء: إذا كنتِ تعرفين ما يحدث وتصمتين، فأنتِ تتركين امرأة أخرى في نفس الجحيم الذي نجوتِ منه.
بعد أسبوع، جاءت “مريم” لزيارتي وهي تحمل سلة فاكهة، وعلى جبينها كدمة خفيفة.
جلستُ معها على مقعد وقلت: “ما تكذبّيش عليّ تاني. أنا شفت كل حاجة في الحمّام.”
شحب وجهها فورًا.
ثم بدأت تدافع عنه: “هو متوتر… بيعصب… مش قصده… هو بيحبني.”
تركتها تتكلم، ثم أمسكت يديها وقلت: “وقفي حماية الرجل اللي بيكسرِك.”
وهنا انهارت.
انفجرت بالبكاء على كتفي. وعندما بدأت تتكلم، كان ما قالته أسوأ مما توقعت. كان يضربها بسبب العشاء، والفلوس، وأشياء تافهة. كان يهينها ويقول إنها عديمة القيمة. وأقنعها بترك عملها كمدرسة منذ سنوات، ثم جعل المال الذي يكسبه قيدًا حولها.
همست: “لو سبتُه… هيقول ماعنديش حاجة… وهيقول محدش هيصدقني.”
نظرت لها مباشرة وقلت: “إنتِ مش هتمشي من غير حاجة.”
أخبرتها أنني تواصلت مع محامي طلاق، زميل قديم اسمه “الأستاذ لؤي”. كنا نحتاج كل شيء: تواريخ، صور، تسجيلات، حسابات بنكية… أي دليل يخرج ما يفعله إلى النور.
بعد ذلك، بدأت “مريم” تأتي إليّ يومًا بعد يوم، حاملة أجزاء من الحقيقة: صور كدمات، تسجيلات صوتية لتهديداته، ملاحظات عن تواريخ الإهانات والأطباق المكسورة والأبواب التي تُغلق بعنف.
لكن شيئًا
كان يتغير بداخلها. رسائلها أصبحت أقوى. كتفاها ارتفعت قليلًا. لأول مرة رأيت الغضب تحت الطاعة.
ثم جاء اليوم الحاسم.
اليوم الذي قررت فيه أن تخبره أنها ستغادر.
وصلتني رسالتها في الصباح، وشعرت أن معدتي سقطت قبل أن أفتحها: “هقوله النهاردة.”
كنت أحمل الهاتف طوال اليوم كأنه متفجر. لم آكل. لم أهدأ. وعند المساء كان قلبي يطرق صدري بعنف.
في الساعة 10:07 مساءً، اتصلت “مريم”.
أجبت فورًا.
كان هناك صمت… ثم تنفّس سريع ومقطّع.
“مريم؟”
قالت بصوت مهتز: “قلت له.”
وقفت فجأة حتى انزلقت الكرسي.
“عمل إيه؟”
لكن صوتها انكسر، ثم سمعت حركة، وارتطام قوي، شيء يصطدم بالحائط.
ثم جاء صوت “يوسف” عبر الهاتف: “فاكرة نفسكِ بتكلمي مين؟”
صرخة “مريم” مزّقت قلبي.
“هات التليفون!” قال. “هات التليفون يا مريم!”
ثم صرخة أخرى.
ارتطام.
زجاج أو سيراميك… لم أعرف.
“مريم!” صرخت. “اخرجي من هناك!”
للحظة مرعبة، كنت أسمع أنفاس الاثنين.
ثم انقطع الخط…

بعد المكالمة الأخيرة، جلستُ في غرفتي داخل مجتمع التقاعد، والهاتف ما زال يرتجف في يدي. كلمات “يوسف” لم تكن مجرد تهديد… كانت إعلان حرب.
“لن تخرجي من البيت مرة أخرى… ولن تريها مجددًا.”
لم أنم تلك الليلة. كل دقيقة كانت تمر كأنها ساعة. كنت أسترجع وجه “مريم”، عيونها، ارتجاف يديها، وصوتها وهي تحاول تبرير ما لا يُبرَّر.
وفي الصباح، جاءني اتصال من الأستاذ “لؤي”.
“وصلتني كل الأدلة. عندكم قضية قوية جدًا… لكن لازم نتحرك بسرعة. لو استمر الوضع كده، ممكن يحصل خطر أكبر على الزوجة.


كنت أعرف ذلك بالفعل. لم أعد أفكر كأم فقط، بل كشريكة في إنقاذ حياة.

تم نسخ الرابط