حُكم على أمي بالإعدام بتهمة التخلص من أبي

لمحة نيوز

حُكم على أمي بالإعدام بتهمة التخلص من أبي، ولمدة ست سنوات، لم يصدق أحد أنها بريئة. لكن قبل دقائق من تنفيذ الحكم، عانقها أخي الصغير وهمس لها بصوت مرتجف
أمي أعرف من أخفى السكين تحت سريرك.
لم تكن الصدمة في الصورة وحدها، بل في الاسم المكتوب خلفها بخط يد أبي اسم لم يكن غريبًا علينا، بل كان من لحم عائلتنا، من أولئك الذين وثقنا بهم دون سؤال.
كل ذلك حدث في الأردن، وتحديدًا في حيّ هادئ من أحياء عمّان، في ذلك الشارع الضيق الذي عشنا فيه سنوات ونحن نظن أن الأمان يسكنه دون أن ندرك أن الحقيقة كانت تختبئ بين جدرانه طوال هذا الوقت.
عندما فُتح الدرج السري داخل خزانة الملابس، وقف الجميع في صمت ثقيل، صمتٍ بدا وكأن الزمن نفسه قد توقّف فيه، مترقبًا ما سيخرج من ذلك المكان الضيق.
مدّ الضابط يده وأخرج ملفًا قديمًا غطّاه الغبار، وكان واضحًا أنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة، كأن أبي أخفاه بعناية وهو يعلم أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع.
فتحه ببطء، وكلنا نحبس أنفاسنا، بينما كانت أمي واقفة مكبلة، لكن عينيها فقط هما اللتان تتحركان، تبحثان عن الحقيقة التي ظلت تصرخ بها طوال ست سنوات دون أن يسمعها أحد.
داخل الملف كانت هناك أوراق، صور، وتسجيل صغير.
الصورة الأولى كانت لعمي أبو رائد وهو يقف مع رجل غريب أمام

مستودع قديم على أطراف المدينة لم أكن أعرفه، ولم أتوقف عنده كثيرًا وقتها، كأنه مجرد وجه عابر في صورة قديمة.
قلب الضابط الصورة، فوجد كتابة أبي لو حصل لي شيء، أبو رائد ليس بريئًا.
شعرت وكأن الأرض تميد بي، لم أستطع التنفس.
كيف لم أرَ هذا؟ كيف لم أشك؟ كيف صدقت أن أمي يمكن أن تفعل شيئًا كهذا؟
أما التسجيل فكان القشة التي قصمت كل شيء. شغّله الضابط، وخرج صوت أبي واضحًا رغم التشويش أنا عرفت كل شيء ولن أسكت حتى لو كان أخي. ثم صوت عمي، باردًا مخيفًا إذًا أنت من اخترت نهايتك بيدك. بعدها صمت، ثم صوت ارتطام، ثم انقطع التسجيل.
انهارت أمي على الأرض تبكي لأول مرة منذ سنوات، ليس خوفًا، بل لأن الحقيقة أخيرًا خرجت إلى النور. أما أنا فلم أستطع الاقتراب منها، شعرت أني لا أستحق حتى أن أنظر في عينيها. ست سنوات وهي تقول الحقيقة، وأنا كنت أهرب من تصديقها.
تم التحفّظ على عمي في تلك اللحظة، ومنعه من المغادرة حتى انتهاء فحص الأدلة.
حاول الإنكار، حاول الصراخ، حاول اتهام يزن بالكذب، لكن الأدلة كانت أقوى من أي صوت. ومع التحقيق، بدأت الحقيقة الكاملة تظهر كقطع زجاج متناثرة. عمي كان غارقًا في ديون كبيرة بسبب أعمال غير قانونية، وكان أبي قد اكتشف تورطه وقرر إبلاغ الشرطة. لم يستطع عمي تحمل فكرة أن ينكشف أمره، فاختار
الحل الأسهل قتل أخيه، ثم تلفيق التهمة لزوجته.
دخل المنزل تلك الليلة بعد أن تأكد أن أمي في غرفتها. واجه أبي في المطبخ، حدثت مشادة انتهت بطعنة واحدة، لكنه لم يكتفِ بذلك. أخذ السكين، ووضعها تحت سرير أمي، ولطّخ ثوبها بدم أبي وهي نائمة، ثم خرج بهدوء، واتصل بالشرطة مدعيًا أنه اكتشف الجريمة. كل شيء كان مدروسًا إلا تفصيلة واحدة طفل صغير كان مختبئًا خلف الباب، يرى كل شيء ويرتجف خوفًا.
يزن لم يتكلم لأنه خاف. كان عمي يهدده كل يوم بنظراته، بكلماته، بجملته التي حُفرت في قلبه إن فتحت فمك ستختفي كما اختفى أبوك. عاش ست سنوات يحمل هذا السر، حتى اللحظة التي لم يعد فيها قادرًا على الصمت عندما رأى أمه تُقاد إلى الموت.
تم إيقاف حكم الإعدام فورًا، وبدأت إجراءات إعادة المحاكمة. هذه المرة، لم تكن أمي وحدها، بل كانت الحقيقة بجانبها، وكنت أنا بجانبها أخيرًا. في أول زيارة لي لها بعد ما حدث، لم أستطع التحدث، فقط وقفت أمامها أبكي كطفلة صغيرة. اقتربت مني رغم القيود، ووضعت جبينها على جبيني، وقالت بهدوء أنا مسامحتك منذ زمن. تلك الجملة كسرتني أكثر من أي شيء آخر.
بعد أشهر، صدر الحكم النهائي براءة أمي، وإدانة عمي بجريمة القتل مع سبق الإصرار. خرجت أمي من السجن، لكنها لم تخرج كما دخلت. كان في عينيها شيء انكسر،
شيء لن يعود كما كان أبدًا. أما أنا فكنت أحاول كل يوم أن أعوض ست سنوات من الشك، من الصمت، من الغياب.
يزن لم يعد ذلك الطفل الخائف، لكنه لم يعد طفلًا أيضًا. كبر فجأة في تلك اللحظة أمام غرفة الإعدام، صار أكثر هدوءًا، أكثر نضجًا، وكأن جزءًا من طفولته دُفن مع تلك الليلة.
عدنا إلى المنزل، نفس المنزل الذي بدأت فيه الكارثة. كان كل شيء كما هو، لكننا لم نكن كما كنا. في إحدى الليالي، جلست مع أمي في نفس الغرفة التي كانت تُتهم فيها، وسألتها بصوت خافت هل زعلتِ مني يومًا؟ نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت كنت حزينة عليكِ لا منكِ. فهمت حينها أن الألم الحقيقي لم يكن السجن، بل أن تُكذَّب وهي تقول الحقيقة.
مرّت الأيام، وبدأنا نُرمم ما تبقى من حياتنا. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان حقيقيًا هذه المرة، الحقيقة التي تأخرت ست سنوات لكنها وصلت قبل أن تُزهق روح بريئة. وأحيانًا، عندما أنظر إلى يزن، أتذكر تلك اللحظة لحظة الهمسة، وأدرك أن أضعف صوت قد ينقذ حياة كاملة.
مرت شهور طويلة بعد خروج أمي من السجن، لكن الحقيقة أن خروجها لم يكن نهاية القصة، بل كان بدايتها من جديد، بداية أصعب بكثير مما تخيلنا.
كنا نحاول أن نعيش بشكل طبيعي، أن نعيد للبيت معناه، لكن كل ركن فيه كان يحكي حكاية، وكل زاوية تحمل ذكرى مما حدث. كانت
أمي تستيقظ أحيانًا
 

تم نسخ الرابط