قالوا عنه "طفل ملعون".. فأنقذه عجوز فقير، لكن ما حدث بعد ذلك أبكى القرية كلها
كانت أمسية عادية، من تلك الأمسيات التي تغيب فيها الشمس ببطء، ويصبح فيها التعب أثقل من الجوع.
أنا رأيته.
كان دون مانويل يسير منحنيًا على الطريق الترابي، وحقيبة شبه فارغة تتدلّى من يده. لم يكن ثقل السنين وحده هو ما حنى ظهره بل كانت الوحدة. تلك الوحدة التي لا تُصدر صوتًا، لكنها تأكلك من الداخل يومًا بعد يوم.
منذ خمس سنوات، كان قد دفن زوجته. لم يُرزقا بأطفال قط. ومنذ ذلك الوقت، صار بيته مجرد بيت لا منزلًا دافئًا.
لكن في تلك الأمسية، كسر شيءٌ الصمت.
بكاء.
ضعيف لكنه يائس.
توقف مانويل فجأة. نظر حوله مرتبكًا. كان الصوت يأتي من الغابة. لا أحد عاقل يدخل هناك عند الغروب، لكن ذلك البكاء ذلك البكاء لم يترك مجالًا للشك.
كان طفلًا رضيعًا.
ما هذا يا إلهي؟ همس.
تبع الصوت بين الأشجار حتى وجد سلة خيزران قديمة، مخبأة نصفها تحت شجرة بلوط. وعندما اقترب توقف قلبه.
كان بداخلها مولود حديث.
ملفوفًا بقطع قماش متسخة. جلده مائل إلى الزرقة من شدة البرد. يبكي بما تبقى لديه من قوة.
كان صغيرًا جدًا عاجزًا جدًا لدرجة أن النظر إليه كان مؤلمًا.
رفعه مانويل بيدين مرتجفتين.
من الذي استطاع أن يفعل بك هذا يا صغيري؟
نظر حوله، متوقعًا أن يجد رسالة، أو إشارة أي شيء.
لا شيء.
فقط الطفل والصمت.
كانت الشمس قد بدأت تغيب. وكان الليل سيكون شديد البرودة. والحقيقة كانت بسيطة، قاسية، ومباشرة
إن تركه هناك فسيموت.
أغمض مانويل عينيه.
يا رب أنت تعلم أنني بالكاد أملك ما يكفيني لكنني لا أستطيع أن أتركه يموت
انكسر صوته.
وفي تلك اللحظة، اتخذ قرارًا سيغيّر حياته إلى الأبد.
لفّه بمعطفه الخاص وسار عائدًا إلى البيت.
كانت تلك الليلة فوضى كاملة.
لم يتوقف الطفل عن البكاء. لم يكن مانويل يعرف ماذا يفعل. لم يسبق له أن اعتنى بطفل. لم يكن أبًا من قبل.
سخّن قليلًا من الماء،
وضعه مانويل في صندوق خشبي، وصنع له مهدًا ببطانيته الأفضل.
وبقي هناك جالسًا ينظر إليه.
كانت الدموع تنهمر دون سيطرة.
كانت زوجتي تحلم دائمًا بطفل والآن، بعد أن رحلت تأتي أنت
لم يكن يفهم شيئًا.
لكن في قلبه اشتعل شيء.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى القرية.
وهناك بدأت المشكلة الحقيقية.
حفاضات؟ سخرت امرأة لماذا تريدها يا مانويل؟
وجدت طفلًا في الغابة وسأربيه.
استمر الصمت ثانية واحدة.
ثم بدأت الأصوات.
هذا الطفل ملعون.
لا بد أنهم تركوه لسبب.
أنت عجوز جدًا.
سيموت بين يديك.
اتركه في دار أيتام.
لكن مانويل لم يتردد.
الله وضعه في طريقي. لن أتخلى عنه.
سمّاه دانيال.
قال الله هو قاضيّ.
لأنه كان يعلم أن القرية كلها تحكم عليه بالفعل.
كانت الأشهر قاسية.
أقسى مما يستطيع أي شخص تحمّله.
كان الطفل يبكي طوال الليل. ومانويل لا ينام. اختفت مدخراته القليلة في الحليب والأدوية والقماش.
باع عنزته الوحيدة.
كان يعمل من شروق الشمس حتى غروبها لكن جسده لم يعد يستجيب.
كانت هناك أيام بالكاد يجدان فيها ما يأكلانه.
ومع ذلك كان يعطي الطفل دائمًا النصيب الأكبر.
لكن الأسوأ لم يكن الجوع.
بل الناس.
لم يساعده أحد.
على العكس.
كانوا يبتعدون عنه كأنه يحمل مرضًا.
هذا الطفل يجلب سوء الحظ
إنه عقاب
هناك شيء مظلم في الأمر
حتى الكاهن ذهب لزيارته.
مانويل، كن عاقلًا. هذا الطفل يحتاج إلى أكثر مما تستطيع أن تمنحه.
نظر مانويل إلى الصغير، وهو يلعب على الأرض بملعقة خشبية.
ثم أجاب بثبات
هذا الطفل ليس عبئًا. إنه الشيء الوحيد المتبقي لي.
مرت السنوات.
كبر الطفل.
تعلم المشي، والكلام والابتسام.
كان ينادي مانويل جدي.
وتلك الكلمة أعادت إليه الحياة.
لكن القرية لم تتغير أبدًا.
لم يكن الأطفال
وكانت الأمهات يبعدن أبناءهن عنه.
لا تقترب من طفل الغابة.
وفي إحدى الأمسيات انفجر كل شيء.
عاد دانيال إلى البيت مضروبًا. ثيابه ممزقة. وكان يبكي.
ماذا حدث يا بني؟
يقولون إنني قمامة وإن أحدًا لم يردني وإنك أحمق لأنك تعتني بي
انكسر قلب مانويل.
احتضنه بقوة بقوة شديدة.
لكنه لم يكن يملك إجابات سهلة.
يا بني الناس تخاف مما لا تفهمه
كان دانيال يبكي على صدره.
وكان مانويل ينظر إلى السماء في صمت.
في تلك الليلة، وبينما كان الطفل نائمًا، بقي مانويل مستيقظًا.
يفكر.
يشك.
لأول مرة منذ سنوات يشك.
لأن العالم كان قاسيًا جدًا مع ذلك الطفل.
قاسيًا جدًا مع شخص لم يفعل شيئًا.
ثم
حدث ما هو أسوأ.
مرض دانيال.
حمّى شديدة. سعال. صعوبة في التنفس.
كان الطبيب واضحًا
إن لم تحصل على الدواء من المدينة فسيموت خلال أيام.
لم يكن لدى مانويل مال.
لا شيء.
كان قد باع كل شيء.
في تلك الليلة، جثا على ركبتيه بجانب السرير، وبكى كما لم يبكِ من قبل.
يا رب إن كان لا بد أن يموت أحد فخذني أنا لكن دعه هو يعيش
في الخارج، كان المطر يضرب بقوة.
وفي الداخل لم يكن هناك سوى اليأس.
والصمت.
حتى
طُرق الباب.
نهض مانويل ببطء.
كان قلبه ينبض بقوة.
وعندما فتح
رأى امرأة مغطاة بعباءة داكنة.
واقفة تحت المطر.
تحمل حقيبة.
جئت لأساعد الطفل قالت بصوت ناعم.
تراجع مانويل مرتبكًا.
من أنتِ؟ كيف عرفتِ؟
لكن المرأة كانت قد دخلت بالفعل.
سارت مباشرة نحو السرير.
فتحت الحقيبة.
أخرجت قوارير وأعشابًا وأدوية.
حضّر ماءً ساخنًا أمرت.
أطاع مانويل دون أن يفهم.
طوال الليل، عملت المرأة دون توقف.
كانت تهمس بأشياء بلغة غريبة.
تلمس جبين الطفل.
تصلّي أو تفعل شيئًا يشبه الصلاة.
حتى
مع بزوغ الفجر
انخفضت الحمى.
أصبح دانيال يتنفس بشكل طبيعي.
كان حيًا.
استدار مانويل والدموع في عينيه ليشكرها
لكن
لم تكن موجودة.
كان الباب لا يزال مغلقًا.
لا آثار أقدام.
لا شيء.
فقط ملاحظة.
أخذها مانويل بيدين مرتجفتين.
وعندما قرأها
تغيّر وجهه تمامًا.
كانت الملاحظة تقول
الله يكافئ الإيمان الذي لا يستسلم. اعتنِ جيدًا بهذا الطفل فمصيره عظيم.
قرأها مانويل مرة بعد مرة، كأن الكلمات قد تختفي.
لكنها لم تختفِ.
بقيت محفورة في روحه.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر شيء.
مرت السنوات.
لم تكن سهلة، لم تكن كذلك أبدًا لكنها صارت مختلفة.
كبر دانيال قويًا، ذكيًا، يحمل طيبة لا تبدو من هذا العالم.
بينما كان الأطفال الآخرون يتعلمون السخرية، كان هو يتعلم المساعدة.
وبينما كانت القرية ترفضه كان هو يواصل الابتسام.
علّمه مانويل القراءة بكتاب قديم، وعلّمه النجارة، وزراعة الأرض لكنه علّمه قبل كل شيء أمرًا لم يمنحه إياه أحد غيره
الحب.
ذلك الحب الذي لا يسأل من أين أتيت.
ذلك الحب الذي لا يقيس كم تملك.
ذلك الحب الذي يُمنح ببساطة دون شروط.
لكن القرية بقيت كما هي.
باردة.
قاسية.
ظالمة.
عندما بلغ دانيال العاشرة، كان قد فهم أنه ليس مثل الآخرين.
جدي لماذا لا يحبني أحد؟
كان هذا السؤال كسكين.
تنفس مانويل بعمق.
ليس الأمر أنهم لا يحبونك يا بني إنهم فقط لا يفهمونك.
ومتى يتغير ذلك؟
نظر إليه مانويل في صمت.
لأنه لم يكن يعرف الجواب.
استمر الوقت في التقدم ومعه بدأ جسد مانويل يستسلم.
صارت يداه ترتجفان أكثر.
وظهره يؤلمه أكثر.
وخطواته أبطأ.
لكنه لم يتوقف عن العمل.
لم يتوقف عن الرعاية.
لم يتوقف عن الحب.
في الخامسة عشرة، صار دانيال أطول منه.
قويًا.
مسؤولًا.
وفي قلبه وعد محفور
سأعتني بك عندما تكبر.
لكن الحياة لا تنتظر.
وفي شتاء قاسٍ بشكل خاص تغيّر كل شيء.
مرض مانويل.
كان السعال عميقًا.
والحمّى لا تهدأ.
وكانت كل نفس كأنه معركة.
كان الطبيب واضحًا، مرة أخرى
إنها ذات رئة وفي
شعر دانيال أن العالم تحطم.
لا.
لا يمكن أن يفقده.
ليس هو.
ليس الوحيد الذي أحبّه.
باع كل شيء.
كل ما كان يملكه.
الأدوات.
الأثاث.
حتى القليل الذي بقي لهما.
لكن