طردوها مع أطفالها في ليلة ممطرة… لكن ما فعلته العجوز قلب القرية رأسًا على عقب!
كان رامي ولم يكن وحده.
ارتجف الباب تحت ضرباته، حتى خُيّل إليّ أن الجدران نفسها ستنهار فوق رؤوسنا.
اخرجي يا إيزابيل! صرخ من الخارج بصوتٍ مليء بالحقد أعرف أنكِ مختبئة مع تلك العجوز المجنونة!
تعلّقت ليان بساقيّ، بينما كان ياسين لا يزال ممددًا فوق الطاولة، بلا حراك والحاجة أمينة تواصل عملها بهدوءٍ يقتلني.
أرجوكِ
همستُ لها بصوتٍ مكسور
ابني
ردّت دون أن ترفع رأسها
إن أردتِ إنقاذه فاتركي الباب وانظري إليّ.
كانت يداها تتحركان بثباتٍ غريب، تدلك صدره بذلك الخليط الساخن، ثم أشارت إلى قدرٍ فخاري يغلي فوق النار
ضعي هذه الأوراق في الماء.
أطعتُ وأنا أرتجف.
في الخارج
كان رامي يزداد جنونًا
افتحي الباب أو أكسره!
اقتربت الحاجة أمينة من ياسين، رفعت جسده الصغير نحو البخار، وربتت على ظهره برفق
توقّف الزمن.
ثم
سعل.
مرة.
ثم مرة أخرى.
وفجأة
انفجر بالبكاء.
صوتٌ خشن قوي حيّ!
انهرتُ أرضًا وأنا أبكي، واحتضنتُ طفلي كأنني أستعيد روحي التي كادت تُنتزع مني.
ليان كانت تبكي وتضحك في آنٍ واحد
أما الحاجة أمينة
فلم تبتسم.
قالت بهدوءٍ مخيف
الآن يمكننا أن نهتم بالمشكلة الأخرى.
نظرتُ إلى
ورامي ما زال يصرخ.
نهضت الحاجة أمينة ببطء، أمسكت عصاها، ثم التفتت إليّ
ما سأقوله لكِ الآن سيؤلمكِ أكثر من كل ما مررتِ به.
همستُ
زوجي لم يمت مريضًا؟
لا.
اختفى الهواء من صدري.
جاء إليّ قبل موته بيومين كان يعاني من ألمٍ حاد، دوار، وجفاف وكانت رائحة جسده كطعم اللوز المر.
تجمدت
ماذا يعني ذلك؟
قالت الكلمة التي مزّقتني
سمّ.
انهارت قدماي.
وفي لحظة
تدفقت الذكريات كالسكاكين
رامي وهو يقدّم له الشاي كل ليلة
رامي وهو يصرّ على إدارة الحسابات
رامي بوجهه البارد يوم دفناه
كل شيء أصبح واضحًا.
لماذا لم تخبريني؟
نظرت إليّ بثبات
لأن أحدًا لم يكن ليصدق امرأةً مثلي لكن الخوف يجبر الحقيقة على الظهور.
ضربةٌ عنيفة هزّت الباب.
آخر تحذير!
تشققت الخشبة.
صرختُ
لا تفتحي! سيؤذينا!
لكنها قالت بثقة
اليوم سيؤذي نفسه.
ورفعت المزلاج.
انفتح الباب.
دخل رامي غارقًا بالمطر خلفه رجلان وبيده بندقية.
لكن
حين رأى ياسين حيًا
ورآني واقفة
ورأى الحاجة أمينة ثابتة أمام النار
تغير شيء في عينيه.
ما هذه الخرافات؟
أجابته بهدوء
نفس ما فعلته مع أخيك الفرق أنني أنقذ، وأنت تقتل.
تبادل الرجلان خلفه النظرات.
رفع رامي سلاحه
اصمتي!
تقدمت خطوة
أخبرهم عن الشاي.
ساد الصمت.
أخبرهم كيف بدلت الكأس.
أنتِ مجنونة!
وأخبرهم كيف وقّعت الأوراق وهو يحتضر.
تراجع أحد الرجلين
ماذا تقصد؟
بدأ العرق يتصبب من جبينه
كذب!
ضربت الأرض بعصاها
الأرض لا تكذب يا رامي منذ سرقتها، لم تثمر الحيوانات تمرض الماء يفسد ليس سحرًا بل يد السارق.
نظرت إليه ولم أعد أراه كما كان.
قتلت أخي؟
صوته انكسر
أنا كنت أستحق الأرض أكثر منه
اختبأت ليان خلفي.
غثيانٌ اجتاحني.
قتلته
صرخ ورفع السلاح
لكن رجليه سبقتاه.
كفى! أمسكه أحد الرجلين
اتركوني!
لن نعمل عند قاتل!
تدافعوا
سقط السلاح
تراجع رامي
انزلق على الطين
وتدحرج على الدرج الحجري.
بقي هناك يتألم ساقه ملتوية.
ولا أحد تحرك.
لا رجاله.
ولا أنا.
ولا حتى السماء التي استمرت تمطر فوقه.
غادر الرجلان.
حاول الزحف نحوي
إيزابيل ساعديني
توقفت.
هذه الكلمة كانت كفيلة بإعادتي سنواتٍ إلى الوراء
حين كنت أركض عند أول نداء
أخضع أُطيع أتنازل
لكن هذه المرة
نظرت إلى أطفالي.
إلى البيت.
إلى الحاجة أمينة.
وقلت بهدوءٍ لم أعرفه من قبل
حين طردتني مع طفلين توسلت إليك أيضًا.
وأغلقت الباب.
ليس غضبًا
بل سلامًا.
في الداخل
كانت النار لا تزال مشتعلة.
سكبت لي الحاجة أمينة كوبًا ساخنًا وقالت
اليوم وُلدتِ من جديد.
قضيت الشتاء معها.
تعلمتُ الأعشاب
والحساب
وتعلمتُ قبل كل شيء كيف أرى الحقيقة كما هي، لا كما يريدها الآخرون.
تعلمتُ كيف أبيع دون أن أُخدع
كيف أرفع رأسي حين يحاولون كسري
وكيف أقول لا دون أن يرتجف صوتي.
وفي كل يوم كنت أشعر أنني أستعيد نفسي قطعةً قطعة.
وبدأ أهل القرية يصعدون إلى البيت.
في البداية كانوا يأتون خفية.
ينظرون خلفهم قبل أن يطرقوا الباب
كأنهم يخشون أن يراهم أحد وهم يطلبون العون من امرأةٍ كانوا يخافونها بالأمس.
ثم تغيّر شيء.
صاروا يأتون في وضح النهار.
بوجوهٍ مكشوفة لكن برؤوسٍ منخفضة.
يأتون لأجل السعال
للجروح
للحمى
لكن الحقيقة؟
لم يكونوا يبحثون فقط عن الدواء
بل عن الغفران.
المرأة التي أغلقت بابها في وجهي تلك الليلة
وقفت أمامي يومًا ويداها ترتجفان.
سامحيني يا إيزابيل لم أعرف ماذا أفعل وقتها
نظرتُ إليها طويلًا.
كنت أستطيع أن أجرحها بكلمة واحدة
أن أُشعرها بما شعرتُ به
لكنني لم أفعل.
مددتُ لها الدواء وقلت بهدوء
الشفاء يبدأ حين نواجه
انفجرت بالبكاء.
وللمرة الأولى
لم أشعر بالانتصار
بل بالراحة.
كنت أساعد الجميع.
الغني قبل الفقير
القريب قبل الغريب
لا لأنهم استحقوا ذلك
بل لأنني أنا لم أعد